سمر قاسم أبو حرب: نجوتُ من مجزرة صبرا وشاتيلا… لكن أهوالها ما زالت تطاردني
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في صبرا وشاتيلا، لم يكن الموت عابراً، بل دخل البيوت وترك خلفه جراحاً لا تندمل. هذه شهادة سمر قاسم أبو حرب، إحدى الناجيات التي بقيت تحمل في ذاكرتها أهوال تلك الأيام، بتفاصيلها وأصواتها ووجوهها.
شهادة ناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا
أنا سمر قاسم أبو حرب، فلسطينية من بلدة شفا عمرو، قضاء حيفا، مواليد عام 1965. فقدتُ ثمانيةً من أهلي في مجزرة صبرا وشاتيلا.
يوم المجزرة، كنت أسكن في مخيم شاتيلا، في شارع الدوخي.
يوم الخميس 16/9/1982، حوالي الساعة الثالثة عصراً، كان عندنا مجمع محلات تجارية مقابل مستشفى عكا. قصف الطيران محلاتنا أثناء الاجتياح، وكنا نجمع ما تبقى من البضاعة فيها.
شاهدتُ دبابات لقوات الاحتلال في محيط السفارة الكويتية، وناقلات جند تُنزل جنوداً. كانوا يأتون من اتجاه الأوزاعي، وبدأوا يدخلون مباشرة إلى حي عرسان ومحيط جمعية إنعاش المخيم الفلسطيني ونادي الكرمل الرياضي.
كان جميع الجنود معهم كمية كبيرة من الذخيرة. كانوا جنوداً من قوات الاحتلال ومن جماعة حدّاد، وعرفناهم من لهجاتهم.
تركنا المحلات وذهبنا إلى مخيم شاتيلا. نزلوا من زاروب الدوخي، ومن المدينة الرياضية، ومن اتجاه روضة الصاعقة، ومن جانب بيت أبو فوزي شحرور.
دخلنا إلى المنزل.
قتلوا خالي سعيد العايدي أمام منزله بالرصاص، أمام زوجته وأولاده.
بعد ساعتين، سمعنا أنهم قتلوا خالي موسى العايدي، وقطعوا رأسه وعلّقوه على عامود أمام منزله. كل شخص مرّ من شارع أبو حسن سلامة في ذلك اليوم شاهده.
دخلتُ إلى الغرفة المقابلة لمنزل جدي مصطفى العايدي، وشاهدت أخوالي إبراهيم وحسين وجدي مصطفى. قالوا لي: «لا تطلعي صوتك، هذول المسلحين بجانب الحائط».
ثاني يوم صباحاً، أي يوم الجمعة، دار جدي مصطفى عملوا شاي وشربوني. صار جدي يقول: «بلا صوت، أخوالك ماتوا»، قلت له: «إني عرفت».
بعد ذلك، صار المسلحون ينادون على أخوالي بالأسماء. قام خالي إبراهيم وفتح الباب، فدخل المسلحون بكثرة إلى داخل منزلنا.
أخرجونا من البيت، وأخذوا المال والذهب من منزلنا. وعندما كانوا يتقاسمون المال والذهب، كانوا يتشاجرون على الذهب ويسحبون السلاح على بعضهم.
ثم أخذوا أبي وأخي.
أخذونا إلى حي عرسان، وعلى الطريق شاهدتُ جثثاً كثيرة. صرنا مثل المجانين. جمعوا اللبنانيين لحالهم، والفلسطينيين لوحدهم.
كان القتلة معهم مسجلات، ويقولون لنا: «شو بتحبوا تسمعوا، أم كلثوم أو أبو عرب؟» ويضحكون علينا.
صاروا يأخذون كل عائلة لوحدها.
حاولوا أن يأخذوني من أهلي. حمتني أمي مريم العايدي. جاء واحد من المسلحين وخلّصني منهم، وقال للآخر: «اتركها».
هذا الشخص كنتُ قد شاهدته قبل المجزرة بأسبوعين في بلدة الناعمة، جنوب بيروت، حيث كنا نسكن قبل الانتقال إلى مخيم شاتيلا.
قال هذا الجندي لأمي: «حمليها ولد صغير وقولي هذا ابنها».
وقال لنا: «امشوا على رصيف الشارع، على الإسفلت، وليس على الرمل، لأن الرمل ملغّم».
ومن ثم وصلنا إلى المدينة الرياضية.
شاهدت في محيط السفارة الكويتية عدداً كبيراً من جنود قوات الاحتلال، وكانوا مغبرين وحالتهم بالويل. كان هناك أربعة ضباط، وكان من بينهم، بحسب ما رأيت، أرييل شارون.
كنت أعرف شارون من صورته في التلفزيون والجرائد، وشاهدته في البناية الثانية من مساكن ضباط الجيش اللبناني، باتجاه المدينة الرياضية، في الطابق الثاني، على البرندا، وكان معه منظار يتفرج على مخيم شاتيلا.
شارون كان لابس بدلة جيش، وشكله ضخم كالفيل.
اقتربت مع آخرين من الجنود لإخبارهم: «فيه مجزرة»، لكن الجنود بدأوا بإطلاق الرصاص علينا.
وكان الجنود ينادون عبر مكبرات الصوت: «تجمعوا في المدينة الرياضية، الرجال والنساء».
شاهدتُ ريغاراً مجروراً للصرف الصحي في المدينة الرياضية، مليان رجالاً وشباباً وأولاداً ونساءً مقتولين. كان الريغار قرب مستودعات المدينة الرياضية.
هربنا إلى منطقة جسر الكولا.
صرنا نشوف ناساً كثيرين، وما حدا منهم كان عارف إنه فيه مجزرة.
رغم مرور عشرين سنة، ما زلت أذكر المجزرة وكأنها حدثت الآن.
حتى الأشخاص القتلة، لو شاهدتهم الآن، أعرفهم واحداً واحداً.
نجت سمر من الموت، لكن ما رأته لم ينجُ منها؛ بقيت الوجوه والأجساد والأصوات حاضرة في ذاكرتها، وكأن المجزرة لم تنتهِ يوماً.
المصدر: مقابلة شخصية أجراها الكاتب والباحث محمود كلّم مع سمر قاسم أبو حرب، بتاريخ 3/6/2002، في الناعمة، جنوب مدينة بيروت.



أضف تعليق
قواعد المشاركة