غزة… حين صمد أبناء النكبة وخذلتهم الأمة
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.أهل غزة قدّموا ما عليهم… قدّموا أرواحهم ودماءهم وصبرهم دفاعاً عن دينهم ومقدساتهم وأرضهم وكرامتهم. لم يبخلوا بشيء، ولم يتراجعوا أمام الألم والجوع والخوف، بل وقفوا في وجه المأساة بقلوبٍ تعرف معنى التضحية والانتماء.
لكن المؤلم أن أهل غزة ليسوا غرباء عن مأساة فلسطين؛ فمعظمهم من أبناء النكبة عام 1948، أبناء أولئك الذين اقتُلعوا من قراهم وبيوتهم، وخرجوا وهم يحملون مفاتيح منازلهم وذكرياتهم وأحلام العودة. ظنّوا أن الغياب سيكون أياماً، فإذا به يتحول إلى عقودٍ طويلة من اللجوء والانتظار.
في غزة اليوم، ما زالت حكاية اللجوء مستمرة. هناك أمٌّ تحتفظ بصورة قريتها التي لم تعد إليها، وهناك شيخٌ يحفظ أسماء القرى والحقول التي تركها آباؤه، وهناك طفلٌ وُلد في المخيم، لكنه يحمل وطناً لم يره إلا في حكايات الأجداد وصور الماضي.
لقد قدّم أهل غزة كل ما يستطيع الإنسان أن يقدمه من صبرٍ وتضحية. واجهوا الموت والحصار والجوع، وحملوا وجع فلسطين كلها على أكتافهم، لكن السؤال الذي سيبقى حاضراً في ضمير التاريخ هو: أين الذين ملؤوا الدنيا حديثاً عن فلسطين؟ وأين الذين رفعوا رايات النصرة، ثم اكتفوا بالمشاهدة حين اشتد البلاء؟
العيب لم يكن يوماً على الضحية التي صمدت، بل على من خذلها، وعلى من رأى المأساة تتكرر واكتفى بالبيانات والخطابات. فالتاريخ لا يدوّن جرائم المعتدين وحدهم، بل يسجل أيضاً مواقف من امتلكوا القدرة على الفعل، واختاروا الصمت.
وفي ذاكرة الفلسطينيين جراحٌ لم تندمل. ففي مخيمات لبنان، ذُبح الفلسطينيون خلال مجزرة صبرا وشاتيلا في سبتمبر/أيلول عام 1982، حين تحولت مخيمات اللاجئين إلى ساحاتٍ للموت والدمار، وسقط الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء، لتبقى تلك المجزرة صفحةً سوداء في تاريخ الإنسانية.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يتكرر المشهد في غزة؛ حيث يُقتل أبناء المخيمات مرة أخرى، أبناء أولئك اللاجئين الذين حملوا مفاتيح بيوتهم وذاكرة قراهم. وكأن الفلسطيني، أينما حلّ، يحمل معه جرحاً مفتوحاً لم يجد بعد من ينصفه.
من صبرا وشاتيلا إلى غزة، تغيّرت الأمكنة، لكن الجرح واحد، والضحية واحدة: شعبٌ يبحث عن حياةٍ آمنة، وكرامة، وحقه الطبيعي في العيش بحرية فوق أرضه.
لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن المسؤولية لا تقع على الحكام وحدهم. نعم، تتحمل الأنظمة مسؤولياتها التاريخية والسياسية، غير أن الشعوب أيضاً ليست خارج دائرة المسؤولية؛ فهي ضمير الأمة، وإذا طال صمت الضمير، تحوّل الصمت نفسه إلى شريكٍ في المأساة.
لقد نام كثيرون كنومة أهل الكهف، بينما كانت غزة تنزف. مرّت أمامهم صور الأطفال تحت الركام، ودموع الأمهات، وآهات الجوعى والمحاصرين، حتى غدت المأساة عند بعضهم خبراً عابراً، بعدما كانت فلسطين يوماً قضيةً تسكن الوجدان.
لم تطلب غزة المستحيل، ولم تطلب من الأمة أن تخوض عنها الحرب، بل طلبت ألا تُترك وحيدة، وأن تجد من يقف معها موقفاً يليق بحجم التضحيات، وبمكانة فلسطين في التاريخ والضمير الإنساني.
ستبقى غزة شاهدة على زمنٍ قاسٍ؛ زمنٍ أثبت فيه شعبٌ محاصر أن الإرادة قد تكون أقوى من الحصار، وأثبت فيه آخرون أن الشعارات تفقد قيمتها حين تعجز عن أن تتحول إلى مواقف.
وسيكتب التاريخ أن أهل غزة، أبناء النكبة والمخيمات، حملوا وجع فلسطين وذاكرتها، ودفعوا ثمناً لا يستطيع أحد إنكاره. وأهل غزة، من لاجئي نكبة عام 1948، هم ملح أرض القطاع؛ تركهم «إخوة يوسف» في محنتهم، لكنهم ظلوا كالدم الذي يجري في عروق أبناء الأمة، يمنحها الحياة، ويذكّرها بأن فلسطين ليست ذكرى، بل قضيةٌ حيّة لا تموت. وسيبقى السؤال يطارد كل من آثر الصمت أو اكتفى بالمشاهدة: أين كنتم عندما كانت غزة تنادي؟




أضف تعليق
قواعد المشاركة