"المقلوبة" بوصفها مقاومة شعب
ياسر علي
إعلامي وشاعر فلسطينيللمقلوبة تاريخ وجذور تأصيلية في تراث شعبنا.. فقد كانت تُصنع من الباذنجان والأرز، واسمها الباذنجانية.. وعند تحرير القدس، قدمها الأهالي للسلطان صلاح الدين، فأعجبته فكرتها العكسية وطريقة قلبها من القدور إلى الجِفان.. فأطلق عليها اسم "المقلوبة"..
ثم طورها الفلسطينيون بإضافة الطماطم والبطاطس والزهرة والبهارات المناسبة، وصارت تراثاً فلسطينياً وماركة مسجلة للشعب الفلسطيني، تتنافس مع المسخن على ريادة المطبخ الفلسطيني..
#المقلوبة مثل #الطوفان، ليست طبقاً فحسب؛ إنها فلسفةٌ كاملة.
فصاحب هذه الفكرة العبقرية لم يرضَ بالشكل الظاهر للأشياء، فرتّب المكوّنات على نحوٍ معاكس، وأخفى الأجمل في القاع، ثم انتظر اللحظة المناسبة ليقلب المشهد كله دفعةً واحدة.
هكذا تبدو حكاية الشعوب المقهورة أيضاً؛ حقوقٌ مدفونة، وعدالةٌ مؤجلة، وواقعٌ مقلوب يفرض نفسه كأنه الحقيقة. لكن الحقيقة تبقى هناك، في العمق، تنتظر لحظة الانكشاف.
ولعلّ الفلسطيني، أكثر من غيره، يفهم سرّ المقلوبة: فليس كل ما استقرّ في الأعلى باقياً، وليس كل ما أُخفي في الأسفل ضائعاً. فالتاريخ نفسه يعرف لحظاتٍ يُرفع فيها الغطاء، وتُقلب الطاولة، فتعود الأشياء إلى مواضعها الطبيعية.
لهذا تبدو المقلوبة وجبةً من تراثٍ لم يفقد إيمانه أبداً بأن الواقع المقلوب ليس قدراً، وأن أجمل ما في الحكاية قد يكون ما زال ينتظر لحظة القلب الكبرى.
إنها حكاية شعب ومقاومة تجهز أجمل ما لديها تحت المشهد، في الأنفاق، وعندما يحين الوقت المناسب، يقلبها الطوفان، ليعطي أجمل ما لديه وأفضله..



أضف تعليق
قواعد المشاركة