حتّى الأوكسجين... هل سيُصبح بحاجةٍ إلى ترخيص؟
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليس مستغرباً أن يُحرم اللاجئ الفلسطيني في لبنان من حق، أو أن يُمنع من مهنة، أو أن يُحاصر بقانون جديد. لكن أن يأتي مشروع قانون إعلام جديد ليضيّق ما اتسع من حقوق، ويقصي إعلاميين مارسوا مهنتهم لعقود في لبنان، فهذا يدعو إلى الحزن أكثر مما يدعو إلى الدهشة.
فالمادة (63) من مشروع قانون الإعلام، التي تشترط أن يكون المدير المسؤول للموقع الإعلامي الإلكتروني لبنانياً يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، لا تُقرأ بوصفها مجرد شرط إداري، بل بوصفها نصاً يقفل الباب في وجه الفلسطيني، مهما بلغت خبرته، ومهما كانت كفاءته، ومهما أمضى من سنوات في خدمة الإعلام اللبناني. إنها تقول له، ببساطة: يمكنك أن تكتب، وأن تحرر، وأن تبني المؤسسات، لكن عندما يحين وقت الاعتراف بك، ستتوقف عند حدود هويتك.
هذا النص لا يستبعد أشخاصاً بعينهم، بل يستبعد فئة كاملة، ويحوّل الجنسية إلى معيار للكفاءة، ويختزل عقوداً من العمل والعطاء في ورقة ثبوتية لا يملكها اللاجئ. وهو بذلك يثير إشكالية قانونية وحقوقية، إذ يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز الذي كرّسه الدستور اللبناني، كما يتناقض مع التزامات لبنان الدولية في حماية حرية الرأي والتعبير وضمان عدم التمييز في التمتع بالحقوق على أساس الأصل أو الجنسية، إلا في الحدود التي تبررها المصلحة العامة وبما لا يمس جوهر الحق.
والأشد إيلاماً أن إقرار هذه المادة بصيغتها الحالية سيكون رسالة سلبية إلى آلاف الفلسطينيين الذين عاشوا وعملوا وأسهموا في الحياة الثقافية والإعلامية اللبنانية. رسالة مفادها أن سنوات المشاركة لا تصنع حقاً، وأن الإسهام في بناء المشهد الثقافي والإعلامي لا يغيّر شيئاً في معادلة الإقصاء.
ويأتي هذا النص ليؤكد استمرار النهج القائم على سلب حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والحد من فرصهم المهنية والمدنية. فبدل أن يسير التشريع نحو إزالة أشكال التمييز المتراكمة، يضيف القانون المقترح قيداً جديداً، يكرّس الإقصاء، ويعمّق شعور الفلسطيني بأنه مستهدف في أبسط حقوقه، رغم عقود طويلة من العطاء والمساهمة في الحياة العامة اللبنانية.
المؤلم أن الفلسطيني في لبنان اعتاد أن يقرأ القوانين، لا ليعرف ما له من حقوق، بل ليكتشف حقاً جديداً سيُسلب منه. وكلما ظن أن قائمة المحظورات قد اكتملت، خرج نص جديد يضيف إليها سطراً آخر.
لهذا، أخشى ما أخشاه أن نستيقظ يوماً على قانون جديد يحدّد للفلسطيني كمية الأوكسجين المسموح له أن يتنفسها، وعدد الأنفاس التي يحق له أن يأخذها في اليوم، وربما يفرض عليه رسوماً إذا تجاوز الحد المسموح.
وإذا حدث ذلك، فإني أتمنى على المشرّع أن يأخذ في اعتباره أن أوكسجين زواريب المخيمات ليس كأي أوكسجين. ففي الأزقة الضيقة التي ضاقت بأهلها، ولم تضق بكرامتهم، يمتزج الهواء بالنخوة، وتختلط ذراته بالشجاعة، وتفوح منه رائحة الصبر والكبرياء. إن أوكسجين المخيمات لا يخضع للحصص، ولا يعترف بالتمييز، ولا يمكن مصادرته بقانون، لأنه يستمد حياته من إرادة الناس، لا من نصوص التشريع.
قد تستطيع القوانين أن تمنع الفلسطيني من مهنة، أو من منصب، أو من حق مدني، لكنها لن تستطيع أن تنتزع منه كرامته، ولن تنجح في محو ذاكرة شعب عاش عقوداً وهو يواجه الحرمان بالصبر، والإقصاء بالعمل، والتمييز بالإبداع.
إن الدول تُقاس بعدالة قوانينها، لا بعدد القيود التي تفرضها. والتشريعات التي تُكتب لإقصاء فئة من الناس لا تصنع إعلاماً أفضل، ولا وطناً أكثر استقراراً، بل تترك جرحاً جديداً في ذاكرة من عاشوا على هذه الأرض، وأخلصوا لها، وأسهموا في نهضتها، ثم وجدوا أنفسهم، مرة أخرى، خارج النص.



أضف تعليق
قواعد المشاركة