أولاد نزار بنات.. ورثة الحكاية
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في أحد فيديوهاته، جلس نزار بنات أمام الكاميرا وقال ببساطة تشبه يقين الفقراء والعاديين:
"قاعدلكم أنا وولادي... مش مفكرين نهاجر."
لم يكن يعلم أن الهجرة ستحدث فعلاً، لكن ليس إلى بلدٍ آخر. هو وحده من سيرحل، تاركاً أبناءه في مواجهة الغياب.
استُشهد نزار، وكانت ابنته ماريا لم تُكمل أربعين يوماً من عمرها. أما خليل، فكان طفلاً صغيراً لا يزال يتعلّم أسماء الأشياء من حوله. كبر الاثنان، لكن الأب بقي في الصورة نفسها؛ لا يكبر ولا يشيخ، محبوساً في إطارٍ على الجدار، وفي شاهد قبرٍ ينتظر الزيارات.
وفي إحدى الزيارات العائلية إلى قبره، وقفت ماريا أمام قبر والدها وخاطبته ببراءةٍ لا تستطيع السياسة كلها أن تجاريها، قائلةً:
"نزار... احكي معي وما تحكي مع خليل."
كانت تغار من أخيها حتى وهو يتحدث إلى قبر. كانت تريد حصتها من الأب الذي لم تعرفه إلا غائباً.
أيُّ مأساةٍ هذه؟
أن يتنافس طفلان على رجلٍ لا يستطيع الرد.
أن يغار طفلٌ من أخيه على أبٍ يسكن التراب.
هذه هي الحياة التي تركها نزار لأولاده. لم يترك لهم حساباتٍ مصرفية، ولا شركات، ولا عقارات، ولا مناصب محفوظة مسبقاً. ترك لهم اسماً، وصورةً، وكرامة، وحكايةً ثقيلة أكبر من أعمارهم.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، تبدو الحياة أكثر لطفاً مع أبناء ورثة السلطة.
فهناك أبناءٌ لا يتنافسون على الحديث مع آبائهم عند القبور، لأن آباءهم ما زالوا منشغلين بترتيب مستقبلهم. هذا في سفارة، وذاك في مؤسسة، والثالث مدير عام في وزارة لا يعرف أحد كيف وصل إليها، والرابع يُخلق له منصب كما تُخلق الأعذار.
أبناء الشهيد يتعلّمون كيف يزورون المقابر.
وأبناء المتنفذين يتعلّمون كيف يزورون المكاتب الفاخرة.
أولئك يرثون الغياب.
وهؤلاء يرثون المناصب.
أولئك يبحثون عن صوت الأب بين الصور القديمة.
وهؤلاء يجدون توقيعه على قرار التعيين.
المفارقة موجعة إلى حد السخرية. فالرجل الذي قال يوماً إنه لن يهاجر، بقي فعلاً في وطنه إلى الأبد. أما الذين امتلأت خطاباتهم بالكلام عن الوطن، فقد ضمنوا لأبنائهم مخارج كثيرة، وأبواباً كثيرة، ومستقبلاً معبّداً لا يشبه مستقبل أطفال الشهداء.
لكن ماريا لا تعرف كل هذه التفاصيل.
هي فقط تعرف أن لها أباً اسمه نزار، وأنه لا يجيب حين تناديه.
وتعرف أن خليل ينافسها عليه.
وتعرف، ببراءة الأطفال، أن العدل كان يقتضي أن يعود مرة واحدة على الأقل ليتحدث معها كما يتحدث الآباء مع بناتهم.
غير أن فلسطين، منذ زمن طويل، لا توزع الأشياء بعدل.
ولهذا يكبر أبناء الشهداء على الأسئلة.
ويكبر أبناء السلطة على الامتيازات.



أضف تعليق
قواعد المشاركة