نزار بنات... رجلٌ اغتيلت أحلامه، وتُرك وحيداً
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.في بلادٍ تراكم فيها القهر حتى صار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، انتقل نزار بنات إلى خطّ المواجهة المباشرة، لا بوصفه سياسياً تقليدياً، بل بوصفه صوتاً قرر أن يقول ما لا يُقال.
كان صوته مباشراً، صادماً، وغير قابل للتكيّف مع المنطقة الرمادية التي اعتادها كثيرون. لهذا لم يكن مجرد ناشط عابر، بل حالة مواجهة مفتوحة مع بنية سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، لا تتسامح عادة مع النقد حين يتحول إلى مساءلة.
لم يكن نزار يبحث عن موقع أو نفوذ، بل عن فضاء يمكن فيه للكلمة أن تُقال دون خوف. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الكلمة نفسها فعلاً سياسياً عالي الكلفة.
كان يدرك أن ما يقوم به ليس بلا ثمن، وأن الاصطدام مع المنظومة الفاسدة قد يتحول إلى تهديد مباشر. ومع ذلك واصل طريقه، وكأن التراجع يعني التنازل عن جوهر قناعته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد رحيله لا يتعلق فقط بنهاية حياته، بل بما أحاط به قبل تلك النهاية؛ لماذا تُرك نزار بنات، وهو في قلب مواجهة سياسية وإعلامية معلنة، دون مظلة حماية حقيقية أو موقف جماعي يوازي حجم الاستهداف الذي كان يتعرض له؟
لماذا تُرك وحيداً في مساحة كانت تتسع للتصعيد أكثر من الاحتواء؟
في مساء السبت الأول من أيار/مايو 2021، تعرّض منزل نزار بنات لإطلاق نار وإلقاء قنابل غاز، في حادثة خطيرة لم تكن خافية على كثيرين.
وكان بعض من يقدّمون أنفسهم اليوم أصدقاءه أو من محبيه، يعرفون تفاصيل تلك الحادثة.
وهنا يبدأ العتاب الحقيقي...
لماذا لم يُخبروا نزار في حياته بما كانوا يعرفونه؟
لماذا تُرك يواجه ما كان يُحاك له، بينما ظلت الحقيقة محفوظة في صدور من حوله؟
ألم يكن الصمت في لحظة الخطر شكلاً من أشكال التخلّي والخذلان؟
ألم يكن السكوت، حين يكون الإنسان مهدداً، وجهاً آخر للمسؤولية الأخلاقية؟
اليوم، يتسابق كثيرون إلى الحديث عن صداقتهم لنزار، ويتغنون بمحبتهم له، ويتباكون على غيابه.
لكن السؤال: أين كانت هذه المحبة حين كان يتعرض للتهديد والخطر؟
وأين كانت هذه الصداقة حين كان يواجه وحده؟
لماذا تُرك وحيداً؟
لقد خاف خصومه من صدقه، لكن ما يؤلم أكثر أن بعض من كانوا قريبين منه لم يكونوا على قدر ذلك القرب، ولا على قدر مسؤولية المعرفة.
السياسة تقول: «حدث ما حدث»، لكن الضمير لا يمر على هذه الجملة مروراً عابراً.
فالذي حدث لم يكن قدراً محضاً، بل سلسلة من الصمت والخوف والتردد والتخلي.
استُشهد نزار بنات، لكن الأسئلة التي تركها لم تمت.
ما زالت كلماته تتسلل من الذاكرة إلى ضمير الناس، لتطالب بألا يُطوى الملف كما تُطوى الصفحات القديمة.
ويبقى السؤال معلقاً كرايةٍ في مهب الريح: هل استُشهد نزار وحده؟ أم استُشهد معه جزء من ضمير هذا الوطن؟
وربما السؤال الأشد وجعاً: هل قتله من اقتحموا ليلته الأخيرة فقط؟ أم إن الذين عرفوا وسكتوا، والذين رأوا ولم يتكلموا، والذين أحبوه قولاً وتركوه فعلاً، كانوا شركاء في هذا الخذلان؟
رحل نزار بنات، وبقي العتاب؛ عتاب على وطنٍ ترك أحد أكثر أبنائه صدقاً وحيداً، وعتاب على أصدقاء تأخروا في الكلام حتى صار الكلام رثاءً، وعتاب على زمنٍ أصبح فيه البكاء على الشهداء أسهل من الوقوف معهم وهم أحياء.
كان خصومُ نزار بنات واضحين، أما الوجع الأكبر فكان في صمتِ بعضِ من ظنّهم أقربَ الناس إليه.
رحل نزار...
لكن السؤال الذي لن يرحل: لماذا تُرك وحيداً؟



أضف تعليق
قواعد المشاركة