نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالموت.

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

ليست كل العلاقات التي تنشأ في أروقة المحاكم علاقات مهنية باردة تنتهي بانتهاء القضية. ثمة علاقات تُصاغ من المواقف الصعبة، وتكبر تحت وطأة الخوف والاعتقال والملاحقة حتى تصبح جزءاً من سيرة الإنسان وذاكرته. هكذا كانت العلاقة التي جمعت الشهيد نزار بنات بمحاميه وصديقه شاكر اطميزه؛ علاقة تجاوزت حدود القانون إلى مساحة أوسع اسمها الوفاء.

على امتداد سنوات طويلة، كان شاكر إلى جانب نزار في محطات كثيرة من حياته. تابَع قضاياه، ورافقه في معاركه القانونية، وشهد عن قرب ما لم يكن يراه الجمهور في الخطب والتسجيلات المصورة. لم يكن يرى الناشط السياسي فقط، بل الإنسان الذي يحمل أحلامه وهمومه وبساطته في آن واحد.

ومن بين عشرات القصص التي بقيت عالقة في الذاكرة، تبرز حكاية صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في معناها.

عندما قرر نزار بنات الترشح لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2021، احتاج إلى شهادة عدم محكومية ضمن متطلبات الترشح. اتصل بصديقه شاكر طالباً مساعدته في استخراجها. وحين أخبره شاكر أن حضوره الشخصي إلى وزارة العدل ضروري، أجابه نزار بعفويته الساخرة التي لم تفارقه رغم ضيق الحال:

"معيش مصاري... بتيجي بتاخذني من دورا، وبتدفع رسوم الشهادة، وبتفطرني، وبتشتريلي بكيت دخان."

لم يكن في حديثه تكلف ولا حرج، بل تلك البساطة الصادقة التي عرفها كل من اقترب منه. لم يكن الرجل الذي شغل الرأي العام يملك في تلك اللحظة سوى قناعته وكلمته، ولم يكن يتردد في التعبير عن حاجته كما هي، بلا مواربة ولا ادعاء.

أما شاكر، فلم يتردد في تلبية طلب صديقه. ذهب إليه، واصطحبه، ودفع رسوم الشهادة، وأفطره، واشترى له علبة سجائر. بدا الأمر يومها تفصيلاً عابراً في حياة رجلين تجمعهما الصداقة.

لكن شاكر لم يكن يعلم، وهو يدفع خمسة عشر شيكلاً رسوم الشهادة ويشتري لصديقه علبة سجائر، أنه يشتري للذاكرة أيضاً حكاية ستُروى بعد الرحيل؛ فبعض التفاصيل التي تبدو عابرة في لحظتها تتحول بعد الغياب إلى كنوز لا تُقدَّر بثمن، وتصبح شاهداً على جوهر الأشخاص أكثر من أي خطاب أو صورة.

كان شاكر يعرف نزار من زاوية مختلفة. عرفه في لحظات التحقيق والاعتقال، عندما يكون الإنسان عارياً إلا من قناعاته. وهناك اكتشف جانباً آخر من شخصيته. فقد كان نزار جريئاً إلى حدٍّ استثنائي، يتمسك بحقه في التعبير عن رأيه من دون خوف، ويرفض التراجع عن مواقفه مهما كانت الضغوط.

ويعترف شاكر بأن نزار علّمه في ساحات التحقيق ما لم يتعلمه في قاعات دراسة القانون. كان يدافع عن أفكاره بشراسة المؤمن بها، ويتحدث بثقة من يرى أن الصمت عن الحقيقة شكلٌ من أشكال الهزيمة. لذلك لم يكن مجرد معتقل سياسي يدافع عنه محامٍ، بل كان مدرسة كاملة في الإصرار والثبات.

ورغم الصورة الصلبة التي عرفه بها الناس، فإن الذين اقتربوا منه كانوا يرون وجهاً آخر أكثر رقة وإنسانية. كان محباً للحياة، عطوفاً على الحيوانات، شديد الحساسية تجاه معاناة الآخرين، وكانت هذه الرقة تسكن خلف صوته المرتفع ومواقفه الحادة، فلا يراها إلا من عرفه عن قرب.

ومن أكثر الذكريات إيلاماً تلك التي استعادها شاكر بعد رحيل صديقه. فبعد حادثة إطلاق النار على منزل نزار، حاولت جهات حقوقية ترتيب لقاء له مع جهة قضائية، وأبدى شاكر استعداده لمرافقته. لكن نزار رفض بهدوء قائلاً:

"سيقتلوننا في الطريق".

بدت العبارة آنذاك أقرب إلى هواجس رجل يشعر بأن الخطر يحيط به من كل اتجاه. غير أن الأيام أثبتت أن حدسه كان أكثر قرباً من الحقيقة مما ظن كثيرون. وبعد رحيله، بقيت تلك الكلمات تتردد في ذاكرة أصدقائه كجرس إنذار لم يسمعه أحد في الوقت المناسب.

لقد كانت العلاقة بين نزار بنات وشاكر اطميزه أكثر من علاقة محامٍ بموكله. كانت علاقة صديقين جمعتهما الثقة، ووحّد بينهما الإيمان بأن الكرامة لا تُساوَم، وأن الكلمة الحرة تستحق أن يُدفع ثمنها مهما كان باهظاً.

رحل نزار بنات، لكن الحكايات التي بقيت في ذاكرة شاكر ما زالت تمنحه حضوراً لا يستطيع الغياب أن يمحوه؛ فالأشخاص العاديون يرحلون بصمت، أما الذين عاشوا بصدق فإنهم يتركون خلفهم أثراً يتجدد كلما رُويت حكاية من حكاياتهم.

وهكذا، كلما استعاد شاكر تلك الرحلة القصيرة من دورا إلى وزارة العدل، أو تذكّر جلسات المحاكم والتحقيقات، لا يستحضر مجرد أحداث مضت، بل يستعيد صديقاً كان استثنائياً في صدقه، بسيطاً في حياته، كبيراً في مواقفه.

سلامٌ على نزار بنات، يوم عاش حراً، ويوم رحل متمسكاً بما آمن به، ويوم بقيت سيرته تُروى في ذاكرة محبيه. وسلامٌ على الصداقة التي أثبتت أن بعض العلاقات لا تنتهي بالموت، بل تبدأ بعده حكايةً تُروى للأجيال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

نزار بنات كما عرفه شاكر اطميزه: حكايةُ صداقةٍ لم تنتهِ بالموت.

ليست كل العلاقات التي تنشأ في أروقة المحاكم علاقات مهنية باردة تنتهي بانتهاء القضية. ثمة علاقات تُصاغ من المواقف الصعبة، وتكبر تحت… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون