الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

كان نزار بنات يمشي في العلن، ويتكلم في العلن، ويختلف في العلن، لكنه في لحظة الحقيقة، تُرك وحيداً.

خذله الذين اكتفوا بالمشاهدة من خلف الشاشات. أحبّ دور البطل المنفرد، أو لعلّه وجد نفسه فيه. كنتُ قد حذّرته؛ الطريق التي تمشيها بلا رفقةٍ مُرهِقة، والبطولة، حين لا يحرسها أحد، تتحوّل إلى مخاطرةٍ مكشوفة. قلتُ له ذات مساءٍ إنه لن يجد من يحميه إذا اشتدّ الخطر، ولن يجد من يأخذ بثأره إن سقط. ابتسم ومضى.

واليوم، يطلّ علينا نزار بنات من زاويةٍ أخرى قد تكون الأكثر وجعاً.

ليس السياسي، ولا المعارض، ولا صاحب الصوت العالي في وجه الظلم.

بل الأب.

أبو كفاح الذي كان يعود إلى بيته حاملاً هموم الوطن، ويجلس بين أطفاله أباً لا خطيباً، ووالداً لا ناشطاً سياسياً.

الأب الذي ترك خلفه خمسة أطفالٍ كبروا على اليُتم، وزوجةً وجدت نفسها فجأةً وحيدةً في مواجهة الحياة.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي؛

ماذا نقول لأطفاله؟

هل يكفي أن نقول لهم كان أبوكم بطلاً؟

هل تُشبعهم البطولة إذا جاعت الأفواه؟

هل تُعوِّضهم الكلمات عن دفء اليد التي لن تعود، وعن صوت الأب حين يناديهم في المساء؟

أيُّ عزاءٍ هذا الذي نُقدِّمه؟

وأيُّ بلاغةٍ تستطيع أن تُفسِّر لطفلٍ معنى الغياب؟

نقول لهم إن أباهم كان شجاعاً.

لكن ماذا تفعل الشجاعة في بيتٍ افتقد حنان الأب؟

نقول لهم إنه قال الحقيقة.

لكن الحقيقة لا تجلس إلى المائدة، ولا تضع يدها على رؤوسهم قبل النوم.

لقد تُرك نزار بنات وحيداً.

والجميع خذله، كلٌّ بطريقته؛ بالصمت، والتردد، والخوف.

وحين رحل، امتلأت الساحات بالكلمات؛ كلماتٌ كثيرةٌ متأخرة، لا تردُّ روحاً ولا تمسح دمعة.

ماذا نقول لزوجةٍ في مقتبل العمر، وجدت نفسها مكسورة الجناحين؟

ماذا نقول لها وهي تحمل وحدها ثقل الغياب؟

وهي ترى أطفالها يكبرون كل يومٍ على فراغٍ لا يملؤه شيء؟

هل نقول لها إن زوجها كان بطلاً؟

ماذا ينفع القلب المجروح وصفُ البطولة بعد ذبحه في ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس؟

أيُّ معنى للبطولة في بيتٍ انطفأ فيه صوت الأب؟

وأيُّ قيمةٍ للشعارات أمام امرأةٍ أصبحت فجأةً أمّاً وأباً معاً؟

لعلّ أكثر ما يؤلم في حكاية نزار بنات أنّ كثيرين رأوه معارضاً وسياسياً وصاحبَ موقف، لكنهم لم يروا الثمن الإنساني الذي دُفع في النهاية.

فحين استُشهد، لم يفقد الناس صاحب رأي فحسب، بل فقد خمسة أطفالٍ أباهم، وفقدت زوجةٌ شريك عمرها وسندها.

وإذا كانت الجريمة قد وقعت في لحظةٍ محددة، فإن آثارها لم تتوقف عند تلك اللحظة.

فثمّة من تآمر عليه وهو حيّ، وثمّة من شوّه صورته بعد رحيله، وثمّة من لم يتردد في إيذاء زوجته معنوياً، وكأنّ الموت لم يكن كافياً.

ولم يتوقف الخذلان عند لحظة الفجر التي خُطف فيها نزار بنات.

فبعض الذين ضاقوا بصوته وهو حيّ، لم يكتفوا بإسكاته، بل لاحقوه بعد رحيله. شوّهوا صورته، وحرّفوا مواقفه، وحاولوا أن يجعلوا من الضحية متّهماً، ومن الجريمة روايةً قابلةً للنقاش.

ولم تكن زوجته وأطفاله بعيدين عن ذلك الأذى.

وجدوا أنفسهم، فوق ألم الفقدان، مضطرين إلى مواجهة حملات التشويه والافتراء، وكأنّ اليُتم وحده لم يكن كافياً.

أيُّ قسوةٍ هذه التي لا تكتفي بقتل الشهيد نزار، بل تمتدّ إلى ذكراه، وإلى الذين أحبّوه؟

وأيُّ ظلمٍ أكبر من أن تتحوّل زوجة الشهيد وأطفاله إلى ساحةٍ أخرى للعقاب؟

كان يفترض أن تجد زوجته من يساندها، وأن يجد أطفاله من يحيطهم بالرعاية والاحترام، لكنّهم اكتشفوا أنّ غياب الأب لا يأتي وحده؛ بل يجرّ خلفه أسئلةً موجعة، وأعباءً ثقيلة، ومعارك لم يختاروها.

وهكذا دفعت زوجته وأطفاله ثمن الكلمة مرّتين؛ مرةً حين فقدت الأب، ومرةً حين وجدت نفسها وحيدةً في مواجهة ما تركه غيابه من جراحٍ مفتوحة.

وما بين التحريض والصمت والتبرير، دفعت زوجته الثمن الأغلى.

فالقضية هنا ليست قضية رأيٍ سياسي أو خلافٍ عابر، بل قضية إنسانٍ خسر حياته، وأطفالٍ خسروا طفولتهم الآمنة، وزوجة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة قسوة الحياة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً؛

ليس ماذا قدّمت البطولة لنزار بنات؟

بل ماذا تركت لأطفاله بعد أن غاب؟

وماذا فعل الذين صفقوا له، أو بكوه، أو تغنّوا بشجاعته، لتخفيف هذا الحمل عن كاهل أسرته؟

العار في وطنٍ يغتال أصواته المختلفة، ثم يبكيها بعد فوات الأوان.

العار في مجتمعٍ يُصفِّق للبطل وهو حيّ، ثم يكتشف هشاشته حين يحتاج إلى حماية.

نقول إن نزار بنات لم يكن خائفاً.

ونقول إنه آمن بأن الكلمة مسؤولية.

لكننا، في أعماقنا، نعرف أن ذلك لا يكفي.

لا يكفي؛ لأن البطولة لا تحتضن طفلاً في الليل.

ولا يكفي؛ لأن الجوع لا يُسكَت بالشعارات.

ولا يكفي؛ لأن الغياب أكبر من أي خطاب.

يبقى الحزن معلّقاً في الهواء، كاتهامٍ ثقيل.

ويبقى السؤال يؤلمنا؛

كيف نفاخر ببطولة رجلٍ لم نستطع حمايته؟

كان بطلاً، لكن الوطن الذي يترك أبطاله وحدهم... يحمل عاره طويلاً.

ويبقى السؤال معلّقاً في وجوه أطفاله كلّما مرّ الزمن؛

هل كانت البطولة تستحق كل هذا اليُتم؟

سيكبرون، وستكبر معهم الحكاية، لكنّهم سيبقون يفتّشون عن أبيهم في الصور القديمة، وفي الذكريات القليلة التي تركها خلفه.

سيحفظون اسمه، وسيسمعون الناس يتحدّثون عن شجاعته ومواقفه، لكنّ شيئاً من ذلك لن يملأ المقعد الفارغ على المائدة، ولن يعيد إليهم دفء الأب الذي انتُزع من بينهم ذات فجرٍ دامٍ.

لقد كسب نزار بنات مكانه في ذاكرة الوطن، لكنّ أطفاله خسروا وطناً كاملاً كان اسمه الأب.

وهناك، في تلك المسافة القاسية بين المجد واليُتم، تقف المأساة عاريةً من كلّ البلاغة؛ فلا الكلمات تُعيد غائباً، ولا البطولة تداوي وحشة الفراق.

ويبقى الشهيد نزار بنات في ذاكرة الناس صوتاً لم يساوم، ويبقى في قلب أطفاله الأب الذي غاب باكراً أكثر مما ينبغي.

تلك هي الحكاية الأكثر وجعاً...

أن يربح الإنسان مكانه في التاريخ، بينما يقضي أطفاله أعمارهم في انتظار عودته المستحيلة.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

الشهيد نزار بنات... ماذا تُفيد البطولة أطفالاً فقدوا أباهم؟

كان نزار بنات يمشي في العلن، ويتكلم في العلن، ويختلف في العلن، لكنه في لحظة الحقيقة، تُرك وحيداً. خذله الذين اكتفوا بالمشاهدة م… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون