مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات

منذ 3 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

من بين الأسماء الكثيرة التي كان يرددها الشهيد نزار بنات في أحاديثه، ظل اسمٌ واحد يحمل نبرةً مختلفة، ودفئاً مختلفاً، وفرحاً خاصاً؛ مريم.

كان يتحدث عنها كثيراً، لكن ليس بوصفها ابنته فقط، بل بوصفها قطعةً من روحه. وكان كلما جاء ذكرها يبتسم تلك الابتسامة التي كانت تسبق كلماته، ثم يقول بفخرٍ ظاهر: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

لم يكن يقصد بذلك سوى ما رآه فيها من قوة الشخصية، والجرأة، والاعتماد على النفس، والقدرة على تحمّل المسؤولية. كان يرى في مريم شيئاً من روحه، وشيئاً من عناده، وشيئاً من ذلك الإصرار الذي رافقه طوال حياته.

خلال سنوات معرفتي به، لم يكن نزار يتحدث عن أبنائه بوصفهم مجرد أفراد من العائلة، بل كان يتحدث عنهم كأحلامٍ تمشي على الأرض. وكان لمريم مكانة خاصة في حديثه. كل إنجاز صغير كانت تحققه يتحول في روايته إلى حكاية تستحق أن تُروى، وكل موقف منها كان يجد فيه سبباً جديداً للفخر.

كان الأب الذي يرى في ابنته أكثر مما يراه الآخرون. يرى شجاعتها حين لا ينتبه أحد، ويرى قوتها حين تبدو صغيرة في أعين الناس. لذلك كان يردد عبارته المحببة وكأنه يعلن للعالم كله ثقته بها: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

وفي الوقت الذي كانت فيه مريم حاضرةً دائماً في أحاديثه، بقيت ابنته قبس بعيدةً عن الكلام. طوال سنوات معرفتي به، لم يأتِ على ذكرها إلا مرةً واحدة، وكانت المرة الوحيدة التي أخبرني فيها بالاسم الذي كان يناديها به في البيت: «...». مرّ الحديث يومها عابراً، كغيره من التفاصيل الصغيرة التي لا نتوقف عندها كثيراً.

لكن بعد استشهاده، علمت من زوجته أن قبس كانت الأقرب إلى قلبه وعقله، وأنها كانت رفيقته الدائمة في تفاصيل حياته اليومية. عندها فقط عدت بذاكرتي إلى ذلك الحديث القصير، وفهمت ما لم أفهمه يومها. أدركت أن نزار بنات، رغم عفويته وصدقه، كان يحتفظ ببعض مشاعره العميقة في مساحة خاصة لا يصل إليها الكلام بسهولة.

أوجعني هذا الاكتشاف كثيراً. تخيلت قبس التي اعتادت أن تكون قريبة من أبيها إلى هذا الحد، ثم وجدت نفسها فجأة أمام غيابٍ لا يمكن تفسيره ولا احتماله. وتخيلت نزار، الذي حمل هموم الناس وقضاياهم على كتفيه، وهو يجد في ابنته تلك الرفيقة الأقرب التي تشاركه تفاصيل الأيام وتمنحه دفئاً إنسانياً وسط صخب الحياة.

واليوم، حين نستعيد تلك الكلمات، يبدو وقعها مختلفاً تماماً.

فمريم التي كان أبوها يراها قوية إلى هذا الحد، وجدت نفسها ذات صباح أمام غيابٍ لا يشبه أي غياب. استيقظت على حقيقةٍ قاسية؛ أن الرجل الذي كان يملأ البيت حضوراً وصوتاً وضحكةً وحديثاً، لم يعد موجوداً.

من يعرف معنى الأب، يعرف حجم الفراغ الذي يتركه رحيله. فكيف إذا كان الأب هو نزار بنات؛ ذلك الأب الذي لم يكن مجرد رب أسرة، بل صديقاً ومعلماً وسنداً وحكايةً يومية؟

رحل نزار، وبقيت مريم تحمل ذكرياته كما يحمل الناس أشياءهم الثمينة خوفاً من ضياعها. بقيت صوره، وكلماته، وضحكاته، وتفاصيل الأيام الصغيرة التي لا يدرك الإنسان قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى.

وربما أكثر ما يؤلم في الحكاية أن نزار لن يرى مريم وهي تكبر أكثر، ولن يكون حاضراً في محطات حياتها المقبلة كما كان يحلم. لن يجلس ليستمع إلى أحاديثها الجديدة، ولن يفاخر بها أمام أصدقائه كما كان يفعل دائماً، ولن يردد بابتسامته المعهودة تلك العبارة التي أحبها كثيراً.

لكن الآباء الحقيقيين لا يغيبون تماماً.

يبقون في الكلمات التي قالوها، وفي القيم التي زرعوها، وفي القوة التي تركوها في قلوب أبنائهم.

ولهذا، كلما كبرت مريم، وكلما واجهت الحياة بشجاعة، سيبقى جزءٌ من نزار حاضراً فيها. سيبقى ذلك الأب الذي آمن بابنته إلى حد أنه كان يراها أكبر من كل التصنيفات، ويختصرها بجملة واحدة مملوءة بالحب والفخر: "أنا عندي زلمة، مش بنت."

هكذا كان نزار بنات؛ أباً محباً كما كان صاحب موقفٍ شجاع. وخلف صوته الصاخب في مواجهة الظلم، كان هناك قلب أبٍ مفعم بالحنان، يحمل لكل واحد من أبنائه مكانةً خاصة لا تشبه الأخرى. أحب أبناءه بطريقته الخاصة، وترك في قلوبهم من حضوره ما يكفي ليبقى حياً رغم الغياب.

رحل نزار بنات، وبقيت مريم، وبقيت قبس، وبقي معهم جميعاً إرث أبٍ أحب أبناءه بصدق، وأحب وطنه بصدق، وترك في كليهما أثراً لا يمحوه الزمن.

وما أقسى أن تتحول كلمات الفخر التي كان يرددها الأب في حياته إلى ذكرى دامعة بعد رحيله.

لكن بعض الحب لا يموت.

وبعض الآباء يرحلون بأجسادهم فقط، بينما يبقون مقيمين إلى الأبد في قلوب أبنائهم.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

مريم وقبس: حكاية حب في سيرة الشهيد نزار بنات

من بين الأسماء الكثيرة التي كان يرددها الشهيد نزار بنات في أحاديثه، ظل اسمٌ واحد يحمل نبرةً مختلفة، ودفئاً مختلفاً، وفرحاً خاصاً؛ … تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون