غزة ومخيماتها... حكاية شعبٍ هزم المؤامرات بالصمود
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليست غزة وحدها التي تُستهدف اليوم، وليست معاناة أهلها وليدة هذه اللحظة الدامية. فالحكاية أقدم من الحرب، وأعمق من الحصار، وأطول من سنوات الألم كلها. إنها حكاية شعبٍ اقتُلِع من أرضه قبل عقود، فحمل وطنه في قلبه، وبنى من الخيام ذاكرةً عصية على النسيان.
من غزة إلى مخيماتها، ومن الشاطئ إلى جباليا والشاطئ والنصيرات والبريج والمغازي ودير البلح وخان يونس ورفح، تمتد قصة اللجوء الفلسطيني التي أرادها البعض أن تكون نهاية القضية، فإذا بها تتحول إلى بداية جديدة للصمود. كانت المخيمات، في نظر من صنعوا المأساة، مجرد محطات انتظار مؤقتة يذوب فيها الفلسطيني مع الزمن وينسى قراه ومدنه التي هُجّر منها. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً.
كبرت المخيمات، لكن الذاكرة كبرت معها. حمل الآباء أسماء القرى إلى أبنائهم، وحمل الأبناء الحكاية إلى أحفادهم. بقيت مفاتيح البيوت القديمة معلقة على الجدران، وبقيت أسماء المجدل وعرب السّمنيّة ويافا وحيفا وعكا وشعب وبئر السبع واللد والرملة حاضرة في البيوت الضيقة كما لو أن أصحابها غادروها بالأمس فقط.
وعلى مدى عقود طويلة، توالت المشاريع والخطط الرامية إلى إنهاء القضية الفلسطينية، مرةً بالحروب، ومرةً بالحصار، ومرةً بالتجويع، ومرةً بمحاولة كسر إرادة الناس وإقناعهم بأن لا مستقبل لهم إلا بالرحيل. لكن كل تلك المشاريع اصطدمت بحقيقة لم يستوعبها أصحابها يوماً: أن الفلسطيني قد يفقد بيته، لكنه لا يفقد انتماءه، وقد يُحرم من أبسط حقوقه، لكنه لا يتخلى عن ذاكرته.
اليوم، تتعرض غزة ومخيماتها لواحدة من أقسى الكوارث في تاريخها. البيوت المهدمة ليست مجرد حجارة، بل أعمارٌ كاملة سُحقت تحت الركام. والخيام المنتشرة في كل مكان ليست مجرد أقمشة، بل شهادة جديدة على استمرار المأساة الفلسطينية. أطفال يولدون في الخيام كما وُلد آباؤهم وأجدادهم من قبل، وكأن الزمن يدور في دائرة من الألم لا تنتهي.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت النظر ليس حجم الدمار، بل قدرة الناس على البقاء. فالمخيم الذي بُني على أنقاض النكبة بقي حياً، والمخيم الذي حاصرته الحروب بقي حياً، والمخيم الذي فقد أبناءه وبيوته ومدارسه ما زال حياً. لأن الحياة في فلسطين ليست مجرد وجودٍ مادي، بل فعل مقاومة يومي في وجه الفناء.
لقد أرادوا للمخيمات أن تكون شاهداً على الهزيمة، فتحولت إلى شاهدٍ على الصمود. وأرادوا أن تكون عنواناً للنسيان، فأصبحت عنواناً للذاكرة. وأرادوا أن ينشأ فيها جيلٌ منقطع عن أرضه، فإذا بها تُخرج أجيالاً تحفظ أسماء القرى والبلدات وتحمل مفاتيح البيوت وتورث الحكاية كما تُورَّث الأمانة المقدسة.
غزة اليوم تنزف، ومخيماتها تنزف معها. لكن التاريخ الفلسطيني يعلمنا أن هذا الشعب لم يُهزم يوماً رغم كل ما مر به. فمنذ النكبة وحتى هذه اللحظة، تحطمت مشاريع كثيرة على صخرة صموده، وسقطت رهانات كثيرة على تعبه أو نسيانه أو استسلامه.
سلامٌ على غزة...
وسلامٌ على مخيماتها التي حملت وجع اللجوء ولم تتخلَّ عن الأمل.
سلامٌ على الأمهات اللواتي ورّثن أبناءهن أسماء القرى كما يورثنهم أسماء الآباء.
وسلامٌ على الشهداء والجرحى والمشردين الذين يدفعون ثمن تمسكهم بأرضهم وكرامتهم.
فقد تتغير الأزمنة، وتتبدل الخطط، وتتعدد المؤامرات، لكن الحقيقة التي بقيت ثابتة عبر العقود هي أن غزة ومخيماتها لم تكن يوماً مجرد ضحية، بل كانت دائماً عنواناً لصمود شعبٍ رفض أن يموت، ورفض أن ينسى، ورفض أن يرحل.



أضف تعليق
قواعد المشاركة