غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها

منذ 7 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في غزة ومخيماتها، لا يأتي العيد كما يأتي إلى بقية المدن.

لا أصوات تكبير تختلط بفرح الأطفال، ولا أسواق مزدحمة بالأضاحي، ولا آباء يحملون لأبنائهم ثياباً جديدة ووعوداً بيوم سعيد.

هناك فقط وجوه أنهكها الجوع، وقلوب تعبت من الانتظار، وسماء لا تتوقف عن إنزال الموت.

 

للعام الثالث، تدخل غزة عيد الأضحى بلا أضاحٍ، لكن غزة نفسها أصبحت الأضحية.

كل يوم يُذبح فيها إنسان، وكل ساعة تُنتزع روح من تحت الركام، وكأن هذه الأرض كُتب عليها أن تدفع وحدها ثمن كرامة أمة كاملة.

الأطفال هناك لا يحفظون أسماء الألعاب، بل يحفظون أسماء الصواريخ.

والأمهات لا يتهيأن لاستقبال العيد، بل يتهيأن لتلقي خبر شهيد جديد.

 

ولم يعد في غزة ومخيماتها حتى مساجد كثيرة تُرفع منها تكبيرات العيد كما كانت.

مآذن سقطت، ومساجد هُدمت فوق رؤوس المصلين، وأماكن كانت تمتلئ بالساجدين تحولت إلى ركام وصمت ورائحة موت.

وكأن الاحتلال لم يكتفِ بحربه على البشر، بل أراد أن يطفئ كل صوت يذكر بالله، وكل مشهد يربط الناس بدينهم وهويتهم وعقيدتهم.

فالحرب منذ بدايتها لم تكن على الأرض وحدها، بل على الروح أيضاً؛

حرب على الإسلام، وعلى العقيدة، وعلى كل ما يمنح هذا الشعب قوة الصبر والثبات.

 

أما العرب والمسلمون، فقد تحول كثير منهم إلى مجرد متفرجين على مأساة تُبث على الشاشات.

أمة كانت يوماً تهتز لصرخة مظلوم، أصبحت اليوم عاجزة حتى عن الغضب الحقيقي.

بيانات بلا معنى، وخطب مكررة، واجتماعات تنتهي بلا أثر، بينما غزة تنزف وحدها.

وكأن الدم الفلسطيني صار خبراً عابراً، ورقماً يُضاف إلى نشرات الأخبار ثم يُنسى.

 

أي خذلانٍ هذا؟

كيف لأمة يتجاوز عددها المليارات أن تعجز عن حماية أطفال يُقتلون أمام أعينها، وعلى شاشات التلفزة التي تنقل المأساة على الهواء مباشرة؟

كيف صار الصمت لغةً رسمية، والخوف سياسة، والتخاذل حكمة؟

لقد ماتت أشياء كثيرة في هذه الأمة قبل أن يموت أهل غزة؛

مات الضمير، ومات الشعور بالكرامة، ومات الإحساس بأن فلسطين ليست قضية شعب وحده، بل قضية أمة كاملة.

 

ثم يأتي العالم الذي يتحدث كل يوم عن حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والعدالة، والحرية.

ذلك العالم المنافق الذي يبكي على ضحايا الحروب حين تخدم دموعه مصالحه، ويصمت حين يكون القاتل حليفاً قوياً.

يراقبون أسعار النفط أكثر مما يراقبون عدد الأطفال الذين يُنتشلون من تحت الأنقاض.

يتحدثون عن الاقتصاد والأسواق والاستقرار، بينما غزة تُباد ببطء أمام أعينهم.

 

أي حضارة هذه التي تخاف على البورصات أكثر من خوفها على أرواح الأبرياء؟

وأي إنسانية تلك التي ترى الجوع والحصار والقتل، ثم تواصل حياتها كأن شيئاً لم يكن؟

 

غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مرآة تكشف قبح هذا العالم.

تكشف عجز العرب، وصمت المسلمين، ونفاق القوى الكبرى، وبرودة الضمير الإنساني.

ومع ذلك، تبقى غزة واقفة رغم الجراح، كأنها تقول للعالم كله:

قد تخذلنا الأمة، وقد يصمت العالم، لكن الحق لا يموت، والدم لا يضيع، والله يرى كل شيء.

 

وفي النهاية، سيبقى العار يلاحق كل من صمت، وكل من خذل، وكل من باع إنسانيته من أجل مصلحة، أو خوف، أو حسابات سياسية.

أما غزة، فرغم الجوع والحصار والموت، ستبقى أطهر من كثير من العواصم التي شبعت حتى فقدت إحساسها بالحياة.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة بلا أضحية… وأمةٌ غارقة في عارها

في غزة ومخيماتها، لا يأتي العيد كما يأتي إلى بقية المدن. لا أصوات تكبير تختلط بفرح الأطفال، ولا أسواق مزدحمة بالأضاحي، ولا آباء… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون