من النكبة إلى اتفاقيات التطبيع: فلسطين وحيدة في آخر الطريق
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم تكن نكبة عام 1948 مجرد حدثٍ عابر في سجل التاريخ، ولا هزيمةً عسكرية يمكن أن تُطوى صفحاتها مع مرور الزمن، بل كانت بداية جرحٍ مفتوح ما زال ينزف حتى اليوم. فمنذ أن اقتُلعت مئات القرى الفلسطينية من جذورها، وهُجّر مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من بيوتهم وحقولهم ومدنهم، دخل الفلسطينيون رحلةً طويلة من الألم والانتظار والخذلان لم تنتهِ عند حدود النكبة الأولى، بل توالت بعدها النكبات والانكسارات والاتفاقيات التي تركته أكثر وحدةً وعزلةً في مواجهة مصيره.
في عام 1948، وقف الفلسطيني على أبواب بيته يحمل مفتاحه القديم معتقداً أن الغياب لن يطول، وأن العالم الذي شاهد المأساة سيعيد الحق إلى أصحابه. لكن الأيام تحولت إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، فيما كانت خيام اللجوء تتحول إلى مخيمات من الإسمنت البارد، تتكدس فيها الأجيال فوق بعضها بعضاً. في زواريب المخيمات الضيقة، حيث لا تدخل الشمس إلا خجولةً لبضع دقائق، وحيث تختلط رائحة الرطوبة بأحلام الأطفال، نشأت أجيال فلسطينية كاملة وهي تحفظ أسماء القرى التي لم ترها، وتعرف الطرق المؤدية إلى بيوت لم تعد قائمة إلا في ذاكرة الشيوخ.
لم تكن النكبة حدثاً انتهى، بل واقعاً يتكرر بأشكال مختلفة. فكل حربٍ جديدة كانت تخلّف موجةً أخرى من الخسارة، وكل جولةٍ من الصراع كانت تضيف فصلاً جديداً إلى كتاب المعاناة الفلسطينية. وبينما كان الفلسطيني يدفن شهداءه ويجمع ما تبقى من بيته المهدّم، كان العالم يواصل حياته كأن شيئاً لم يحدث.
ثم جاءت التحولات السياسية الكبرى التي عمّقت شعور الفلسطيني بالوحدة. ففي 17 أيلول/سبتمبر 1978 وُقّعت معاهدة كامب ديفيد بين مصر والاحتلال، لتكون أول اتفاق سلام عربي مع الدولة التي قامت على أنقاض الوطن الفلسطيني. يومها شعر كثير من الفلسطينيين أن القضية التي كانت توصف بأنها القضية المركزية للعرب بدأت تفقد مكانتها، وأن الأولويات تتغير، وأن أبواباً كانت مفتوحة للدعم والإسناد بدأت تُغلق بهدوء.
ومع مرور السنوات، تكررت المشاهد نفسها. ففي 13 أيلول/سبتمبر 1993 جاءت اتفاقية أوسلو محمّلة بوعود السلام والدولة والاستقلال. عُلّقت الآمال على أوراق التفاوض، وانتظر الفلسطينيون أن تثمر المصافحات التاريخية على شاشات التلفزة حريةً وعدالةً وإنهاءً للاحتلال. لكن الزمن مضى، وبقي الاحتلال قائماً، وتوسعت المستوطنات، وتبددت أحلام كثيرة بين تعقيدات السياسة وموازين القوى المختلة.
ثم جاءت معاهدة وادي عربة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994، لتضيف محطةً جديدة إلى مسار التسويات الإقليمية. ومع كل اتفاقٍ جديد، كان الفلسطيني يشعر أن المسافة بينه وبين أمته العربية تتسع شيئاً فشيئاً، وأن القضية التي كانت تجمع الملايين حولها بدأت تتراجع أمام حسابات المصالح والتحالفات والاصطفافات السياسية.
أما اتفاقيات أبراهام، التي وُقّعت بعد عقود من النكبة، فقد بدت لكثير من الفلسطينيين علامةً أخرى على تغير المشهد العربي والإقليمي. فبينما كانت غزة والضفة الغربية ومخيمات اللجوء ما تزال تحمل أعباء الصراع اليومية، كانت عواصم عديدة تفتح صفحات جديدة من العلاقات مع الاحتلال، في وقتٍ لم يكن الفلسطيني قد حصل فيه على الحرية التي انتظرها طويلاً.
لكن الخذلان لم يكن عربياً فقط، بل إسلامياً ودولياً أيضاً. فالعالم الذي يرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية وقف، في محطات كثيرة، متفرجاً على معاناة الفلسطينيين. صدرت البيانات، وعُقدت المؤتمرات، وأُلقيت الخطب الرنانة، لكن شيئاً لم يتغير في المخيمات، وبقي الحصار قائماً، فيما واصلت الأمهات البكاء على أبنائهن كما فعلت أمهات النكبة الأولى.
في أزقة المخيمات، لا يحتاج الفلسطيني إلى قراءة تقارير الأمم المتحدة ليعرف حجم المأساة. يكفيه أن ينظر إلى سقفٍ متشقق فوق رأسه، أو إلى غرفةٍ ضيقة تؤوي عائلةً كاملة، أو إلى طفلٍ يحمل حقيبته المدرسية بين مياه الأمطار المتجمعة في الأزقة. هنا، في الأماكن التي لا تصلها عدسات الكاميرات إلا نادراً، يعيش الفلسطيني تفاصيل الخذلان اليومية. هنا، حيث لا تدخل الشمس الزواريب في وضح النهار، وحيث تكبر الأحلام تحت أسلاك الكهرباء المتشابكة والجدران المتآكلة، وحيث يتعلم الأطفال باكراً أن العالم ليس عادلاً كما يقال لهم في الكتب.
لقد تُرك الفلسطيني وحيداً مراتٍ كثيرة؛ في مواجهة الحرب والتشريد والحصار، وانتظار العدالة التي لا تأتي. رأى دولاً كبرى تتحدث عن حقوق الإنسان ثم تصمت أمام مأساته، ورأى مؤسسات دولية تعترف بآلامه لكنها تعجز عن إنهائها، ورأى أشقاء وأصدقاء يبتعدون تدريجياً تحت وطأة المصالح والحسابات السياسية.
ومع ذلك، لم يمت هذا الشعب. فعلى الرغم من عقود النكبة والاحتلال والحروب والخذلان، بقي الفلسطيني يحمل مفتاح بيته القديم، ويورث أبناءه أسماء القرى والبلدات التي هُجّر منها الأجداد. بقي يحفر ذاكرته في الحجر والأغنية والحكاية ودفاتر المدارس. بقي يقاوم النسيان أكثر مما يقاوم الفقر، ويتمسك بحقه أكثر مما يتمسك بما تبقى له من متاع الدنيا.
فلسطين اليوم ليست مجرد أرضٍ متنازع عليها في خرائط السياسة، بل قصة شعبٍ دفع أثماناً باهظة من دمه وبيوته وأحلامه، ثم وجد نفسه وحيداً في مواجهة العالم. ومنذ النكبة الأولى حتى زمن الاتفاقيات والتطبيع والتحولات الكبرى، ظل السؤال نفسه معلقاً فوق المخيمات والقرى المدمرة والقبور الجديدة: كم مرة يجب أن يُخذل شعبٌ كامل قبل أن ينتصر ضمير العالم للعدالة؟
وحتى يأتي الجواب، ستبقى زواريب المخيمات شاهدةً على الحكاية كلها؛ حكاية شعبٍ لم يختر المنفى ولا التشرّد، لكنه وجد نفسه يسير وحيداً في طريقٍ طويل، فيما أبواب العالم تُوصَد في وجهه باباً بعد باب.



أضف تعليق
قواعد المشاركة