غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت

منذ ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

ليست الحربُ على غزة وحدها، ولا على الضفة وحدها، ولا حتى على مخيمٍ بعينه في لبنان. ما يجري أكبر من جغرافيا الدم، وأعمق من حدود المعارك العابرة. إنها حربٌ ممتدة على معنى اللجوء نفسه، على الذاكرة التي بقيت حيّة رغم النكبة، وعلى المخيم الذي تحوّل، رغم الفقر والقهر، إلى شاهدٍ دائمٍ على جريمة لم تنتهِ.

من مخيمات غزة إلى مخيمات الضفة، ومن مخيمات لبنان إلى كل بقعةٍ حمل فيها الفلسطيني خيمته المؤقتة التي طال بها الزمن، تبدو المعركة واحدة: اقتلاع الإنسان من ذاكرته، وكسر آخر ما يربطه بحكايته الأولى.

في غزة ومخيماتها، لا تُقصف البيوت فقط، بل يُقصف المعنى. تُستهدف الأزقة الضيقة التي حفظت أسماء الشهداء، وتُمحى الحارات التي كانت تحفظ مفاتيح العودة في صدور أهلها. هناك، لا يريدون قتل الناس فحسب، بل قتل الفكرة التي تقول إن لهذا الشعب بيتاً سُلب منه، وإن للمخيم ذاكرة لا تموت تحت الركام.

وفي الضفة ومخيماتها، تأخذ الحرب شكلاً آخر؛ اقتحامات، حصار، اعتقالات، واستنزاف يومي للمخيمات التي بقيت عنواناً للرفض. جنين، بلاطة، طولكرم، نور شمس، وغيرها من المخيمات، ليست بالنسبة للاحتلال مجرد تجمعات سكانية، بل خزّان ذاكرةٍ حيّة، لذلك تُحاصر وتُراقب وتُنهك باستمرار. فالخطر الحقيقي بالنسبة له ليس الحجر ولا البندقية فقط، بل بقاء المخيم شاهداً على أن قضية اللاجئين ما زالت حيّة.

أما في مخيمات لبنان، فالمشهد أكثر وجعاً وتعقيداً. المخيمات لم تعد فقط أماكن لجوء، بل ساحاتٍ مفتوحة على الخوف والتجاذبات والحروب الخفية. من عين الحلوة إلى برج البراجنة ومخيم شاتيلا ونهر البارد، يعيش الفلسطيني حالة استنزافٍ طويلة، كأن المطلوب أن يبقى اللاجئ عالقاً بين البؤس والتشويه والاتهام الدائم. وكلما حاول المخيم أن يلتقط أنفاسه، جاءت يدٌ تعبث بأمنه، أو خطابٌ يحمّله ما لا يحتمل، أو مشروعٌ يسعى لتفكيكه من الداخل.

الحرب على المخيمات ليست صدفة. إنها حرب على آخر الشواهد الحيّة للنكبة. فالمخيم ليس مجرد بيوتٍ متلاصقة وفقيرة، بل فكرة سياسية ووطنية وإنسانية تقول إن هناك شعباً اقتُلع من أرضه وما زال ينتظر العودة. ولذلك يصبح استهداف المخيم استهدافاً لذاكرة فلسطين نفسها.

يريدون للاجئ أن ينسى، وللمخيم أن يتحول إلى مجرد حيٍّ بائس بلا قضية، وللأجيال الجديدة أن تنشأ بلا علاقة بحيفا ويافا والقدس وصفد وعكا. يريدون أن يذوب الشتات في تعب الحياة اليومية، وأن تتحول المعاناة إلى قدرٍ عادي يُنسى مع الوقت.

لكن المخيمات، رغم كل ما أصابها، ما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة. تقاوم حين ترفع أمّ صورة ابنها الشهيد فوق جدارٍ متصدّع، وحين يعلّق عجوز مفتاح بيته القديم على باب غرفةٍ من صفيح، وحين يحفظ طفلٌ أسماء المدن التي لم يرها يوماً، لكنه يعرف أنها تنتظره.

لهذا، فالحرب ليست فقط على مخيمات غزة أو مخيمات الضفة أو مخيمات لبنان، بل على كل معلمٍ من معالم اللجوء الفلسطيني في العالم؛ على الذاكرة، على الرواية، على حق العودة، وعلى الإصرار الفلسطيني بأن النكبة لم تصبح تاريخاً منسياً.

ورغم كل هذا الخراب، تبقى المخيمات حيّة، لا لأنها تملك القوة، بل لأنها تملك الحكاية. والحكاية التي تُروى بالدم والحنين لا تموت، مهما طال ظلام الليل، ومهما كثرت الخيانات، ومهما حاول العالم أن يدفن الحقيقة تحت ركام الصمت.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة… والمخيمات التي يُراد لها أن تموت

ليست الحربُ على غزة وحدها، ولا على الضفة وحدها، ولا حتى على مخيمٍ بعينه في لبنان. ما يجري أكبر من جغرافيا الدم، وأعمق من حدود المع… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون