الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو فهد)

منذ ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

كان جدي محمود (أبو فهد) يقول دائماً إن الأرض تعرف أصحابها، وإن تراب فلسطين لا ينسى خطوات من حرثوه وتعبوا فيه. كان يجلس قرب شجرة الزيتون العتيقة، يمرر يده فوق جذعها الخشن، ثم ينظر بعيداً نحو التلال ويقول بحزنٍ يملؤه الفخر: «هذه الأرض ليست تراباً فقط... هذه أعمارنا كلها».

مع أول ضوء للفجر، حين تمتد رائحة الزعتر والزيتون فوق الحقول الفلسطينية، كان جدي يخرج إلى أرضه كأنّه يذهب إلى صلاةٍ مقدسة. يحمل معوله بيدٍ أتعبها العمر، لكن قلبه كان يزداد شباباً كلما لامس التراب. هناك بين أشجار الزيتون والتين والعنب، كانت تبدأ حكاياته، حكاية وطنٍ عاش في القلب أكثر مما عاش في البيوت والطرقات.

وكان كثيراً ما يتحدث عن أرض جالين وأرض الصّوانة، أرض عشيرة عرب السّمنيّة، تلك الأرض التي بقيت شاهدة على وجوه الرجال الذين تمسكوا بترابها كما يتمسك الإنسان بروحه. كان يقول إن أشجار التين والزيتون والعنب ما زالت تحكي للعابرين تاريخ ومسيرة أولئك الشرفاء الذين رفضوا الرحيل، ورووا عطش ترابها بعرقهم وتضحياتهم، حتى بقيت فلسطين واقفة رغم كل الجراح.

في حديثه، لم تكن فلسطين مجرد وطنٍ على الخريطة، بل روحٌ تسكن الناس ولا تغادرهم مهما ابتعدوا. كان يتحدث عن مواسم القمح، وعن النساء اللواتي كنّ يخبزن على الحطب، وعن الأطفال الذين كانوا يركضون بين الحقول بضحكاتٍ تشبه الحياة قبل أن يثقلها الحزن. كانت فلسطين التي يرويها جدي وطناً حياً نابضاً بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة الشعوب وتحفظ هويتها من الضياع.

غير أن تلك الأرض التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد لم تسلم من أطماع الاحتلال ومشاريعه الاستيطانية. وكان جدي يؤكد دائماً أن هذه البلاد لنا أباً عن جد، مهما حاول المحتل فرض روايته أو تغيير معالم المكان. فالمستوطنات التي تنتشر اليوم فوق أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية لم تنشأ على أرضٍ بلا أصحاب، بل أُقيم كثيرٌ منها بالقوة على أراضٍ فلسطينية معروفة الملكية والانتماء، بعضها بدأ في ظل الاحتلال البريطاني، وبعضها توسع بعد نكبة عام 1948 وما تلاها من احتلال واستيلاء على الأرض.

وكان يرى أن ما جرى لفلسطين لم يكن مجرد صراعٍ على حدود أو جغرافيا، بل محاولة مستمرة لاقتلاع الإنسان من أرضه وانتزاع الذاكرة من جذورها. فقد اقتُلعت أشجار التين والزيتون التي غرسها الأجداد، وشُوّهت تضاريس القرى والسهول والجبال، وتعرضت أسماء الأماكن للتغيير والتبديل في محاولة لإعادة تشكيل المشهد بما يخدم رواية أخرى لا تنتمي إلى تاريخ هذه الأرض الحقيقي. ومع ذلك، بقيت الحجارة القديمة، وبقيت الأشجار المعمرة، وبقيت ذاكرة الناس تروي الحكاية كما كانت، جيلاً بعد جيل.

وحين يذكر الشهداء، كان صوته يخفت قليلاً، ثم ينظر إلى الأرض بصمتٍ طويل، كأنه يسمع أسماءهم تخرج من بين الحجارة وأغصان الزيتون. كان يعرف أن هذه الأرض لم تُروَ بالماء وحده، بل بدماء رجالٍ حملوا الوطن في صدورهم حتى اللحظة الأخيرة، وآمنوا بأن الدفاع عن الأرض دفاعٌ عن الكرامة والوجود والحق في الحياة.

ورغم السنين الثقيلة، بقي إيمان جدي بالأرض أقوى من كل الغياب. كان يتمسك بها كما يتمسك الجذر بأعماق الصخور، ويردد دائماً أن الفلسطيني قد يتعب، وقد يحزن، وقد يُهجّر، لكنه لا ينسى وطنه أبداً. ففلسطين بالنسبة له لم تكن مجرد مكان، بل كرامة وهوية وذاكرة لا تموت.

وفي مواسم القطاف، حين تجتمع العائلة تحت أشجار الزيتون، كان وجه جدي يمتلئ بشيءٍ من الطمأنينة. كأنّه يرى الأجداد يعودون مع الأغاني القديمة ورائحة الزعتر والزيتون. هناك فقط، وسط الأرض، كان يشعر أن فلسطين ما زالت بخير رغم كل الوجع، وأن جذور أهلها أعمق من كل محاولات الاقتلاع والتشريد.

رحل جدي محمود (أبو فهد)، لكن حكاياته بقيت تسكننا. بقي صوته في الحقول، وبقيت وصيته الأخيرة عالقة في القلب:

«تمسكوا بالأرض... فالأرض إن ضاعت، ضاع التاريخ كله

ولعل أعظم ما تركه لنا لم يكن مجرد الذكريات، بل اليقين بأن الأرض تحفظ أسماء أصحابها، وأن الحق لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن. ستبقى فلسطين أرض الزعتر والزيتون، أرض الشهداء والحنين، وأرض الحكايات التي لا تنتهي. وسيبقى الزعتر والزيتون شاهدين على أن لهذه الأرض أهلاً، وأن فلسطين لا تُورَّث بالحكايات فقط، بل بالعمل والصبر والتشبث بالحق والحنين الذي لا يموت.

فلسطين ليست رواية تُكتب ثم تُطوى صفحاتها، بل حكاية شعبٍ متجذّر في أرضه منذ أجيال، حكاية تتوارثها القلوب كما تتوارث العائلات مفاتيح البيوت وأسماء الحقول وأشجار الزيتون. ولهذا ستبقى الأرض شاهدة على أصحابها، وسيبقى أصحابها أوفياء لها، مهما تبدلت الأزمنة وتعاقبت المحن، لأن الأرض التي سُقيت بالحب والتعب والتضحيات لا تموت، ولأن فلسطين كانت وستبقى وطناً حياً في الذاكرة والوجدان.



مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

الأرض تعرف أصحابها... حكاية فلسطين كما رواها جدي محمود (أبو فهد)

كان جدي محمود (أبو فهد) يقول دائماً إن الأرض تعرف أصحابها، وإن تراب فلسطين لا ينسى خطوات من حرثوه وتعبوا فيه. كان يجلس قرب شجرة ال… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون