النكبة 78: محمود كلّم (أبو فهد)… رجُلٌ لم يُغادر أرضهُ
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.منذ عام 1948، لم تكن الحكاية مجرد حربٍ انتهت، ولا حدودٍ تغيّرت على الخرائط…
كانت اقتلاع شعبٍ كامل من ذاكرته الأولى.
منذ ذلك العام، بدأ التهجير القسري لمئات آلاف الفلسطينيين، يحملون مفاتيح بيوتهم على أمل أن تكون الغربة قصيرة، وأن العودة قريبة… لكن الأعوام تحولت إلى عقود، والوجع صار يُورّث كما تُورّث الأسماء.
ثمانية وسبعون عاماً مرّت على النكبة، وما زالت فلسطين تسكن القلب كأنها غابت بالأمس فقط.
وما زالت الحكايات تبدأ بعبارة: " كان إلنا دار..."
دارٌ بقي بابها مفتوحاً للغائبين، وشجرة زيتون تنتظر أصحابها، ونافذة لم تُغلق منذ خرج أهلها على عجل وهم يظنون أنهم سيعودون بعد أيام.
كبر الأبناء في المنافي وهم يحفظون أسماء القرى أكثر مما يحفظون أسماء الشوارع التي يعيشون فيها.
حيفا، يافا، عكا، القدس، الناصرة، نابلس، شعب، غزة… وعرب السّمنيّة.
أسماء ليست مجرد مدن، بل نبضٌ قديم يسكن الروح، كلما ذُكرت ارتجف القلب حنيناً.
في مخيمات اللجوء، لم يكن الفلسطيني يبحث فقط عن وطنٍ ضاع، بل عن طفولةٍ سُرقت، وعن أمٍّ دفنت حنينها في الدعاء، وعن جدٍّ مات وهو يوصي أبناءه:
“لا تنسوا الطريق إلى البيت.”
ثمانية وسبعون عاماً، وما زال المفتاح معلقاً على الجدار، لا كقطعة حديد، بل كشاهدٍ على حكاية لم تنتهِ.
وما زالت الجدّات يخبزن خبز الطابون وكأن أبناء القرية سيعودون مساءً، وما زال الأطفال يرسمون فلسطين كاملة، بلا حدودٍ ولا حواجز.
النكبة لم تكن يوماً مجرد ذكرى تُستعاد في يومٍ من السنة، بل جرحاً مفتوحاً في قلب كل فلسطيني.
ومع ذلك، لم يستطع المنفى أن يهزم الحنين، ولم تستطع السنوات أن تُطفئ صورة العودة.
فلسطين لم تغب…
هي تسكن في صوت الأذان العتيق، في رائحة الزعتر، في مواويل الجدات، وفي العيون التي تتجه دائماً نحو الجنوب حيث البيت الأول.
ورغم كل هذا الحزن، بقي الفلسطيني يؤمن أن للأرض أصحاباً لا تنساهم الأرض، وأن أرواح الشهداء ما زالت تحرس ترابها وتهمس للغائبين:
“ستعودون يوماً… ولو بعد حين.”
حكاية من وجع النكبة
جدي، محمود حسن صالح كلّم (أبو فهد)، كما رواها لنا والدي، لم يكن مجرد فلاحٍ يزرع الأرض…
بل كان عاشقاً لفلسطين حتى آخر نبضةٍ في قلبه.
كان يملك أراضي واسعة في أرض عشيرة عرب السّمنيّة، وكان كلما جمع شيئاً من المال، اشترى قطعة أرض جديدة ليزرعها.
لم يكن يرى التراب مجرد ملكية، بل كان يراه روحاً وانتماءً وامتداداً للعمر.
لكن حياة جدي لم تكن مليئة بخسارة الأرض وحدها…
بل سبقتها خسارات موجعة حفرت الألم عميقاً في قلبه.
فقد خسر ابنه البكر، الشهيد فهد، سنة 1945، ودُفن في مقبرة سُمح بأرض عشيرة عرب السّمنيّة.
وكان وقع الفاجعة ثقيلاً على قلبه، لكن المصيبة الأكبر لم تتأخر كثيراً، إذ جاءت بعدها بوقتٍ قصير، حين رحلت زوجته عليا الجمعة سنة 1947، ودُفنت في مقبرة جالين.
منذ ذلك اليوم، بقي جدي محمود (أبو فهد) وفياً لزوجته كما كان وفياً لأرضه، ولم يتزوج بعدها أبداً.
كأن قلبه اكتفى بما حمله من حبٍ وخسارة، وكأن فلسطين وعليا وفهد أصبحوا جميعاً حكايةً واحدة تسكن روحه.
ثم جاءت النكبة، فلجأ جدي مع ولده الوحيد إلى قرية الحنيّة في جنوب لبنان، قرب الحدود الفلسطينية.
لكن اللجوء لم يستطع أن يقطع خيط القلب بينه وبين أرضه.
كان يستيقظ كل صباح، يركب حماره، ويتجه نحو أرض عرب السّمنيّة، يبقى هناك حتى المساء، ثم يعود إلى الحنيّة.
كانت المسافة قصيرة…
لكنها كانت تفصل بين وطنٍ مسلوب وقلبٍ لم يغادره أبداً.
وحين أثقل المرض جسده، لم يتوقف عن الذهاب.
كان يصل إلى منطقة اللبونة، المقابلة لأرضه، يجلس ساعات طويلة يتأمل كروم التين والزيتون والعنب، كأنه يحادث أشجاره بصمت، وكأن الأشجار تعرف صاحبها وتنتظره.
ظلّ على هذه المنوال حتى رحيله عام 1966، ودُفن في مقبرة قرية الحنيّة، لكن روحه بقيت تحلّق فوق تلال عرب السّمنيّة، بين الزيتون والتين والعنب الذي أحبّه طوال حياته.
وبعد وفاته، بقي صديقه أبو الياس، من قرية إقرث، يأتي إلى أرض جدي ليعتني بالأشجار، يقلم أغصان التين والعنب، ويحفظ وصية الصداقة والأرض معاً.
ظل أبو الياس يخدم أرض صديقه محمود كلّم (أبو فهد) حتى صيف عام 2006، حين أصيب بنيرانٍ صديقة أثناء تبادل إطلاق النار على جانبي الحدود، فلحق بصديقه القديم…
ورحل الاثنان، وبقي حلم العودة معلقاً بين السماء والتراب، ينتظر أبناءه الذين ما زالوا يؤمنون أن للأرض أصحاباً لا تنساهم الأرض أبداً.
ثمانية وسبعون عاماً من الغياب…
لكن فلسطين ما زالت تُنادي في القلب:
سنعود... مهما طال ظلامُ الليل.




أضف تعليق
قواعد المشاركة