يموتُ الأَسرى وحدهُم… حين يموتُ الحُزنُ
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.ليس الموتُ ما يقتلُنا، بل اعتيادُنا عليه… حتى صرنا نعبره كلَّ يومٍ دون أن نرتجف، وكأن شيئاً فينا قد مات قبل أن يأتي الموتُ نفسه.
من الصعب الهروب من هذا الشعور الذي يشبه الغرق البطيء في بحرٍ من الأخبار التي لم تعد تُفاجئ أحداً، وكأن الفاجعة، حين تتكرّر، تفقد قدرتها على إيقاظ الضمير. كأننا تعلّمنا، مع الوقت، كيف ننظر إلى الموت دون أن نرتجف، وكيف نعدّ الجنازات كما تُعدّ الأرقام، لا كما تُحمل الأرواح.
"من لم توقظه مئةُ ألفِ جنازةٍ في غزة، لن توقظه غالباً عشرةُ آلافِ مشنقةٍ للأسرى. أمّةٌ ميتة.."
ليست جملةً قاسية بقدر ما هي صادقة حدّ الألم. فما يحدث لم يعد مجرّد مأساةٍ عابرة، بل صار اختباراً يومياً لإنسانيتنا، امتحاناً نخسره بصمت، أو بتبرير، أو بأسوأ من ذلك: بالاعتياد.
في قطاع غزة، لا تُشيَّع الأجساد فقط، بل تُشيَّع معها الأحلام الصغيرة: حقيبةٌ مدرسية لم تُفتح، وسريرٌ بقي دافئاً بانتظار صاحبه. هناك، لم يعد الموت خبراً عاجلاً، بل تفصيلاً يومياً يمرّ بين الناس كما يمرّ الهواء، ثقيلاً، لكنه مألوف.
ومن الجنوب السوري بدأت حكايةٌ أخرى لم تكن بعيدةً عن هذا الألم. من درعا ومحيطها انطلقت شرارة الثورة السورية، ومن ذات الأرض خرجت أصوات الدعم للأسرى. من نوى، تلك المدينة القريبة من حدود فلسطين، ارتفعت الهتافات، وكأن المسافة بين الألمَين لا تُقاس بالجغرافيا، بل بالقلب.
ومن هناك، من نوى شمال غرب درعا، انطلقت الشرارة الأولى لدعم قضية الأسرى، لتؤكد أن وجع الحرية واحد، وإن تعددت الجبهات.
وفي الزنازين، حيث يُعلَّق الوقت على جدرانٍ باردة، يقف الأسرى على حافة النسيان. لا لأن قضيتهم صغيرة، بل لأن ضجيج العالم أكبر من أن يلتفت إلى وجعٍ صامت.
ما الذي يجعل أمةً تقف على هذا الحدّ من البرود؟ الحقيقة الأكثر قسوة ليست في عدد الجنازات، بل في قدرتنا على الاستمرار رغم كل ذلك، وكأن شيئاً لم يكن.
لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس أن نُهزم، بل أن نعتاد الهزيمة.
الأسرى لا يموتون وحدهم… نحن فقط لم نعد أحياءً بما يكفي لنشعر بألمهم.



أضف تعليق
قواعد المشاركة