حين يخوننا الغياب… أحمد قعبور يرحل وتبكيه الأغاني!
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.لم يكن رحيل أحمد قعبور مجرد خبرٍ عابر، بل خسارةً فادحةً لصوتٍ ظلّ يقف في وجه النسيان، ويرفض أن تتحول فلسطين إلى تفصيلٍ هامشي في الوعي العربي. في زمنٍ تراجعت فيه المواقف، وبات الصمت فيه لغةً سائدة، بقي أحمد محمود قعبور واحداً من القلائل الذين لم يساوموا ولم يغيّروا نبرة الحقيقة.
برحيله، لا يخسر العالم العربي فناناً فحسب، بل يفقد صوتاً كان يُذكّر، بإصرار، بأن فلسطين ليست روايةً قابلةً للمحو، ولا جرحاً يمكن تجاوزه، بل قضيةً حيّةً تتجدّد مع كل من يرفض النسيان.
لُقّب قعبور بـ"صوت القضية الحي"، ولم يكن هذا اللقب مجازاً، بل حقيقة تجلّت في كل ما قدّمه. من "أناديكم..
أشد على أياديكم..
وأبوس الأرض من تحت نعالكم..
وأقول أفديكم.."
إلى سائر أعماله التي حفرت عميقاً في الذاكرة، ظلّ صوته يحمل ألم الأرض، ويشدّ على أيدي أصحابها، ويُعيد تعريف الفن بوصفه موقفاً لا ترفاً.
في زمنٍ تراجعت فيه الأصوات الصادقة، بقي أحمد قعبور ثابتاً، لا يساوم على كلمته، ولا يبتعد عن قضيته. غنّى لفلسطين كما لو أنه واحد من أبنائها، وعاش تفاصيلها كأنها يومياته، فصار صوته جزءاً من ذاكرتها، ومن ذاكرة كل من آمن بأن الأرض لا تُنسى.
لم تكن أغانيه مجرد ألحان، بل كانت بيانات وجدانية، توقظ في المستمع شيئاً من الكرامة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وقضيته. كان صوته رخيماً ودافئاً، لكنه في الوقت ذاته صلب، يرفض الانكسار، ويقاوم النسيان.
برحيله، لا يغيب فنان فحسب، بل يغيب زمن كامل من الصدق. يغيب ذلك الصوت الذي كان يقول ما عجز عنه كثيرون، ويُذكّر بما حاول البعض أن يتناساه. ومع ذلك، فإن الغياب ليس نهاية، فالأصوات التي تُولد من الألم وتغنّي للحق لا تموت، بل تبقى حيّة في الذاكرة، تتردّد كلما ضاقت الأرض أو اشتدّ الحنين.
فلسطين اليوم أكثر حزناً، لا لأنها فقدت فناناً غنّى لها، بل لأنها فقدت صوتاً كان يؤمن بها حتى النهاية، ولم يتخلَّ عنها يوماً.
سلامٌ لروح أحمد قعبور… يوم كان يغنّي: "يا رايح صوب بلادي"، فيعيدنا جميعاً إلى المعنى الأول للوطن، ويوم صار غيابه ألماً… لا يُطاق.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



أضف تعليق
قواعد المشاركة