داخل جدران السفارة: عمر النايف وملاذٌ تحوّل إلى مأساة

منذ ساعتين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في السادس والعشرين من شباط، لا تمرّ الذكرى عابرة في الوجدان الفلسطيني. إنها ذكرى اغتيال الشهيد عمر النايف، الذي وُجد جثمانه داخل مبنى سفارة فلسطين في العاصمة البلغارية صوفيا عام 2016، بعدما لجأ إليها طلباً للحماية من خطر التسليم إلى الاحتلال. لجأ إلى عنوانٍ يفترض أنه يمثّل وطنه، فإذا بالمكان الذي قصده ملاذاً يتحوّل إلى مسرحٍ لمأساةٍ مفتوحة على الأسئلة.

كان عمر النايف أسيراً سابقاً في سجون الاحتلال، وتمكّن من الهرب عام 1990 بعد إضرابٍ عن الطعام، وظلّ منذ ذلك الحين مطارداً بملفّه القديم. وحين شعر بأن خطر تسليمه يقترب، لجأ إلى سفارة فلسطين في صوفيا، مؤمناً أن علم بلاده المرفوع فوق المبنى كفيلٌ بحمايته. غير أن صباح ذلك اليوم كشف فجوةً قاسية بين الرمز والواقع. سقط الرجل داخل أسوارٍ ظنّها أماناً، وبقيت الروايات متضاربة، فيما ظلّ السؤال الأخلاقي معلّقاً: كيف يموت لاجئٌ إلى بيته؟

لم تكن الحادثة تفصيلاً عابراً في سياقٍ فلسطيني مثقل بالألم. ففي الذاكرة الوطنية محطات موجعة سبقتها وتلتها؛ من اغتيال رسّام الكلمة والضمير ناجي العلي عام 1987، صاحب “حنظلة” الذي ظلّ شاهداً على انكسارات المرحلة، إلى استشهاد الناشط السياسي نزار بنات عام 2021 بعد اعتقاله، وصولاً إلى أحداث دامية طالت مدنيين وعائلات بأكملها. تتغيّر الأزمنة والوجوه، لكن الألم واحد: حين يصبح الصوت الحرّ هدفاً، وحين يُدفع أصحاب الرأي ثمناً باهظاً لمواقفهم.

في ذكرى استشهاد عمر النايف، لا يُستعاد اسمه بوصفه حادثةً سياسية فحسب، بل كإنسانٍ كان يبحث عن ملاذ. رجلٌ طرق باباً اعتقد أنه يمثّل وطناً، فوجد نفسه وحيداً في مواجهة مصيره. الذكرى ليست مناسبة للاتهام بقدر ما هي لحظة مساءلةٍ أخلاقية: ما معنى الحماية؟ وما قيمة التمثيل إن لم يكن درعاً لأبنائه؟

الحزن في هذه الذكرى ليس حزناً فردياً، بل هو حزن وطنٍ مثقلٍ بخيباتٍ متراكمة. ومع ذلك تبقى الذاكرة فعل مقاومة. استحضار أسماء الضحايا هو رفضٌ لتحويلهم إلى أرقام، وهو إصرارٌ على أن الدم الذي سُفك لن يُمحى من السردية، مهما حاولت السياسة أن تُسدل ستارها.

رحم الله الشهيد عمر النايف، وكلّ من مضوا في دربٍ ظنّوه أقرب إلى الحرية. ولتبقَ الذكرى جرساً لا يتوقّف عن قرع الضمير.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

داخل جدران السفارة: عمر النايف وملاذٌ تحوّل إلى مأساة

في السادس والعشرين من شباط، لا تمرّ الذكرى عابرة في الوجدان الفلسطيني. إنها ذكرى اغتيال الشهيد عمر النايف، الذي وُجد جثمانه داخل م… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون