غزّةُ التي لا يراها العالمُ!

منذ ساعتين   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

غزة… حين يصبح الحصار أسلوب حياة

في غزة، لا يبدأ الصباح بفنجان قهوة، بل بسؤالٍ ثقيل: هل سننجو اليوم؟

سؤالٌ بسيط في صياغته، معقّد في إجابته، لأن الحياة في غزة لم تعد حقاً بديهياً، بل احتمالاً مؤجّلاً.

غزة ليست مجرّد بقعة جغرافية محاصَرة، بل حالة إنسانية تختبر أقصى ما يمكن أن يحتمله البشر من صبرٍ وألمٍ، ومن تطبيعٍ قاسٍ مع التلاشي. غزة مدينة اعتادت أن تُحصي شهداءها قبل أن تُحصي أيامها، وأن تحفظ أسماء أبنائها أكثر مما تحفظ ملامح مستقبلها.

البيوت في غزة لا تُهدَم مرة واحدة، بل يُهدَم معها الأمل، والذاكرة، وإحساس الأمان. طفلٌ ينام على صوت الطائرات، ويستيقظ على ركام مدرسته. أمٌّ تتعلّم كيف تُخفي خوفها في عينيها كي لا يراه أطفالها. وأبٌ يحفظ طريق المقبرة أكثر مما يحفظ طريق العمل.

في غزة، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بالهُدن. ولا تُقاس الخسائر بالأرقام، بل بالفراغ الذي يتركه الغائبون على موائد العشاء، وفي الصور المعلّقة على الجدران.

الألم في غزة لم يعد صرخةً طارئة، بل ضجيجاً مستمراً. ومع ذلك، العالم يسمع… ولا يُصغي. يشاهد… ولا يتحرّك. يتقن لغة البيانات، لكنه يعجز عن نطق كلمة عدلٍ واحدة. وكأن المعاناة، حين تطول، تفقد قيمتها الإخبارية، وتتحوّل إلى مشهدٍ مكرّر لا يثير الدهشة.

أمّا الحصار، فهو القصة التي لا تنتهي. حصارٌ لا يقتل فقط بالجوع ونقص الدواء، بل يكسر الروح ببطء. يجعل الحياة مشروع نجاةٍ دائم، ويحوّل الأحلام إلى رفاهيةٍ مشبوهة.

ومع كل هذا، لا تزال غزة واقفة. لا لأنها لا تنزف، بل لأنها تعلّمت كيف تنزف بصمت. لا لأنها لا تتألّم، بل لأنها أدركت أن الألم صار لغتها اليومية.

قال محمد الماغوط يوماً إن تحرير العقل العربي أصعب من تحرير فلسطين. وربما كانت غزة اليوم الدليل الأشد قسوة على ذلك. فهي لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن تُرى كإنسان، لا كخبرٍ عاجل، ولا كرقمٍ في نشرة المساء.

غزة لا تحتاج شفقة، بل عدلاً. لا تحتاج خطابات، بل موقفاً. وحتى يأتي ذلك اليوم، ستبقى غزة تكتب حكايتها بالدم… وتنتظر.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزّةُ التي لا يراها العالمُ!

غزة… حين يصبح الحصار أسلوب حياة في غزة، لا يبدأ الصباح بفنجان قهوة، بل بسؤالٍ ثقيل: هل سننجو اليوم؟ سؤالٌ بسيط في صياغته، مع… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون