بين أنينِ نور وصمتِ العالم… دعاءُ أمٍّ من غزة

منذ 17 ساعة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في منزلٍ أنهكته الحرب، وتسلّل إليه البرد والخوف معاً، لا يُسمع سوى أنين طفلةٍ يتردّد في الجدران المتصدّعة.

تجلس سمر إسماعيل حماد (أمّ نور) إلى جوار سرير ابنتها، الطفلة نور عثمان أبو سمعان، ترفع كفّيها إلى السماء وتقول بصوتٍ متعبٍ يختلط بالدموع:

"ما راح أناشد مؤسسات ولا جهات… وصلت لقناعة كاملة إنّ ربنا وحده هو اللي حيمدّ إيده إلنا."

وُلدت نور في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل اندلاع حرب الطوفان بيومٍ واحد. يقول شقيقها براء:

"وُلدت أختي نور قبل حرب الطوفان بيومٍ واحد، في 6 أكتوبر 2023. وخلال الحرب ألقى الاحتلال غازاً ساماً في المنطقة، فاستنشقت نور الغاز، وكانت النتيجة إصابتها بشللٍ دماغي أثّر على حركتها."

منذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء. لم تعد معاناة نور مجرد مرضٍ عابر، بل أصبحت رحلةً يومية مع الألم. جسدها الصغير يصارع آثار الشلل الدماغي، وحركتها محدودة، واحتياجاتها العلاجية أكبر من قدرة أسرتها وإمكانات المكان.

تقول أمها:

"بنتي نور… وجعها ما بحسّ فيه غير أمها وأبوها، ولا حدا سامع أنينها مثلنا."

نور بحاجةٍ ماسّة إلى العلاج في مستشفى تخصصي لأمراض الدماغ والأعصاب، حيث يمكن أن تتلقى الرعاية التي قد تمنحها فرصة لتحسين حالتها. لكن في غزة، لم يعد المرض أزمةً صحية فحسب، بل مأساةً مركّبة. مستشفيات تفتقر إلى الأدوية، أجهزة تعمل بالكاد، وانقطاعٌ متكرر للكهرباء يهدّد حياة المرضى. العلاج رحلة شاقة، تبدأ بالأمل وتنتهي غالباً بالانتظار.

وسط هذا الواقع القاسي، اختارت أمّ نور أن ترفع مناشدتها إلى السماء فقط. لا بيانات، لا صرخات أمام الكاميرات، لا رسائل مفتوحة. فقط دعاءٌ صادق:

"نحن راضين بحكم ربنا… وراضين لأنه اختارنا نحمل هالوجع بإيمان، مش بسكوت."

ليس في كلماتها استسلام، بل إيمانٌ ثقيل. هي لا تنكر الألم، لكنها تتمسّك برجاءٍ لا ينقطع. تجلس إلى جانب ابنتها، تمسح على جبينها الصغير، وتعدّ دقائق الألم كما تُعدّ الأمهات أنفاس أطفالهنّ.

في غزة، تتكرّر الحكاية كل يوم. أطفالٌ يصارعون المرض تحت سماءٍ مثقلة بالدخان، وأمهاتٌ يواجهن العجز بالصبر، وآباءٌ يبحثون عن دواءٍ في مدينةٍ أرهقها الدمار.

تقول الأم، وعيناها لا تفارقان وجه نور الشاحب:

"صوتنا مش للدنيا… صوتنا واصل لربّ الكون. هو أكرم من كل البشر، وما بيكسّر بخاطر عبدٍ راضٍ، ولا أمّ متعلّقة ببابه عشان بنتها."

في غزة، يصبح الدعاء ملاذاً أخيراً حين تُغلَق الأبواب. تصبح الأمومة امتحاناً يومياً بين الخوف والرجاء. وبين الركام والصمت، تبقى أمّ نور ترفع يديها نحو السماء، وتهمس:

اللهم اشفِ نور… واشفِ وجع غزة كلّها.





مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

بين أنينِ نور وصمتِ العالم… دعاءُ أمٍّ من غزة

في منزلٍ أنهكته الحرب، وتسلّل إليه البرد والخوف معاً، لا يُسمع سوى أنين طفلةٍ يتردّد في الجدران المتصدّعة. تجلس سمر إسماعيل حما… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون