يوميّات من القلب... حين يتحوّل الألم إلى إبداع!

منذ 4 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في زمنٍ يختنق فيه الصوت بين الركام، يولد صوتٌ شعبيٌّ بسيط، لكنه صادق؛ نقيٌّ كدمعةِ أمٍّ، وناصعٌ كأملِ طفلٍ بين خيام النزوح. ذلك الصوت هو صوتُ المبدعين الذين اختاروا الكلمة والكاميرا سلاحاً في وجه الصمت، ليكتبوا للتاريخ بقلوبهم لا بأقلامهم.

ومن بين هؤلاء يبرز (أبو سمير)، الذي لم يكن مجرّد راوٍ للحكاية، بل كان هو الحكاية نفسها. كان وجعَ الناس على لسانه، وأملَهم في عينيه، وابتسامتَهم التي تصرّ أن تبقى حيّة رغم الألم.

من بين الركام كان (أبو سمير) يخاطبنا، ومن تحت القصف كان يخاطبنا؛ صوته يعلو فوق هدير الطائرات، يحمل إلينا ما تبقّى من أنين الأرض وكرامة الإنسان، يزرع في قلوبنا ما لم تستطع نشرات الأخبار أن توصله من حقيقةٍ ووجعٍ وصدق.

في زمن الحرب، حين غابت العدسات الكبرى ونام الإعلام الرسمي عن مآسي البشر، ظلّ (أبو سمير) يقف بين الخيام، يدوّن تفاصيل اليوم العادي، يلتقط نبض البسطاء، ويحوّل الحزن إلى حكايةٍ يعيشها كل بيت. بصوته الشعبي، وبلغته القريبة من القلب، استطاع أن يختصر وجع وطنٍ بأكمله في مشهدٍ واحد، في ضحكةِ طفلٍ أو تنهيدةِ عجوز.

ما فعله (أبو سمير) ليس مجرّد توثيقٍ للمعاناة، بل هو حفظٌ للذاكرة، وأرشيفٌ نابضٌ بالإنسانيّة، يسجّل للحاضر وللأجيال القادمة أن الإبداع الحقيقي يولد من رحم الألم. فكلُّ مقطعٍ صوّره كان جسراً بين المأساة والكرامة، بين الحزن والفخر، بين الجرح والنجاة.

إنّ مبدعينا الشعبيين أمثال (أبو سمير) لا يملكون أدواتِ الإعلام الضخم، ولا تقنياتِ الإنتاج، لكنهم يملكون ما هو أعمق: الصدق، والروح، والقدرة على أن يجعلوا العالمَ يشعر بما نشعر به نحن. إنهم يرفعون رؤوسنا عالياً، لأنهم اختاروا أن يكونوا صدىً للوجع لا صدىً للسلطة، وأن يحملوا حكاياتِ الناس لا شعاراتِهم.

ففي كلّ يوميّةٍ يقدّمها، كان (أبو سمير) يزرع فينا شيئاً من الإيمان: أن المأساة يمكن أن تتحوّل إلى رسالة، وأن الألم يمكن أن يكون طريقاً نحو وعيٍ أعمق بالإنسان، وأن البساطة حين تمتزج بالصدق تُصبح أقوى من كل خطابٍ رسميّ.

سلامٌ على كل مبدعٍ يشبه أبا سمير، على من جعلوا من حروفهم ولقطاتهم جسوراً بين الألم والكرامة. سلامٌ على الأصوات التي لا تملك سوى الحقيقة، لكنها تصل إلى كل بيتٍ لأنها خرجت من القلب، ولأنها نابعة من وجدانٍ لا يُشترى ولا يُقمع.

سلاماً على (أبو سمير)، وعلى أمثال (أبو سمير)...

أولئك الذين علّمونا أن الكلمة يمكن أن تُقاتل، وأن الصورة يمكن أن تُبقي الذاكرة حيّة، وأن البساطة حين تمتزج بالصدق، تصنع مجداً لا يُنسى.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

عتلةٌ في الرأس… وطعنٌ في العرض: من القتل إلى اغتيال الشخصية

حين تُغتال الكلمة… ويُبرَّر القاتل من قتل ناجي العلي؟ ومن قتل إسماعيل الخطيب؟ ومن قتل نزار بنات؟ السؤال ليس بريئاً، ول… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون