غزة.. مرثيّةُ الذين يُشبهوننا ولا ينتمون إلينا!

منذ 4 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

حين جلس الذئب إلى صغيره يُعلّمه الحذر، قال له:

"إيّاكَ ومن يُشبهك ولا ينتمي إليك، فخطرُه أعظمُ من كلّ ما تخشاه."

واليوم لو مرّ هذا الذئب على أطلال غزة، لوقف طويلاً، ثمّ همس: "ها هي الحكاية تتكرّر، لكنّ الضحية هذه المرة ليست ذئباً... بل وطناً جريحاً اسمه غزة."

غزة تلك التي تتوضّأ بالدم وتُصلّي على الإسفلت، لا تزال واقفة، رغم أنّ السماء أطبقت عليها ناراً، والأرض ضاقت بما حملت من قبورٍ ودموع.

مدينةٌ صغيرة المساحة، عظيمة الصبر، تُقاتل العالم كلَّه بصدورٍ عارية، وقلوبٍ لا تعرف الاستسلام.

في غزة يُولَد الأطفال على صوت الطائرات، ويتعلّمون الأبجدية من أسماء الشهداء.

هناك يكتب الناس رسائلهم إلى الغيم، علَّه يحملها إلى ضميرٍ عربيٍّ غفا طويلاً، لا يُوقظه نداء، ولا يُحرّكه صراخ.

كم مرّةً انتظر الغزّيون من إخوتهم أن يأتوا... فلم يأتوا!

وكم مرّةٍ أُحرقت البيوت، وسُفك الدم، والعين على الجنوب والشرق والغرب، تبحث عن ظلٍّ من عروبة، فلا تجد إلا وجوهاً تبتسم في الشاشات، وبياناتٍ تُساق كما تُساق الأكفان!

أمّةٌ عظيمةُ التاريخ، صغيرةُ الموقف.

تخشى أن تقول كلمة حقٍّ، وكأنّ الصدق صار تهمة.

تكتفي بالمناشدة والدعاء، ثمّ تُغلق الشاشات، وتعود إلى نومٍ ثقيلٍ يغطّيه خجلٌ لا يعترف بنفسه.

غزة اليوم ليست مدينة، بل مرآة.

من نظر إليها رأى وجهه الحقيقي: إمّا حُرّاً يقف رغم الألم، أو متخاذلاً يُبرّر صمته بالمستحيل.

هناك بين الركام، تمشي امرأةٌ بثوبٍ أسود، تحمل ابنها الشهيد وتهمس: "الحمد لله."

وهناك طفلٌ يرفع حجراً أكبر من كفّه، كأنّه يرفع قلب الأمّة كلَّها نحو السماء.

وهناك، الله — وحده الله — لا يزال يسمع، ولا ينسى.

غزة لا تبكي لأنّها اعتادت الجرح، بل لأنّها رأت خذلان الأقربين قبل عداوة البعيدين.

فكلّ ما عانته لم يكن من عدوٍّ يحمل سلاحاً فحسب، بل من إخوةٍ يُشبهونها ولا ينتمون إليها.

ورغم ذلك تبقى غزة... تُضيءُ من تحت الرماد، وتقول لنا بصوتٍ مبحوحٍ من الدخان: "لا تحزنوا عليّ، بل احزنوا على أنفسكم، لأنّكم فقدتم ما يجعل الإنسان إنساناً: الإحساس."


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

عتلةٌ في الرأس… وطعنٌ في العرض: من القتل إلى اغتيال الشخصية

حين تُغتال الكلمة… ويُبرَّر القاتل من قتل ناجي العلي؟ ومن قتل إسماعيل الخطيب؟ ومن قتل نزار بنات؟ السؤال ليس بريئاً، ول… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون