فلسطين… قضيّةٌ عادلةٌ بِأيدٍ فاسدةٍ!

منذ 5 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

من أكثر ما يعتصر القلب أن ترى قضية عادلة تُحاكم أمام محامٍ فاشل وفاسد. هذه هي مأساة فلسطين، قضية مقدسة وأرض مغتصبة، لكن من يقف في الصفوف الأمامية لتمثيلها أشخاص لا يملكون من النزاهة إلا الشعارات، ولا من الكفاءة إلا المظاهر.

معظم كفاءات الشعب الفلسطيني، من العلماء والمثقفين والأطباء والمهندسين وأصحاب الخبرة، يقفون اليوم خارج إطار التنظيمات. هؤلاء الذين كان يمكن أن يكونوا وقود النهضة ورافعة المشروع الوطني أُقصوا، أو انسحبوا، أو صمتوا، لأن الساحة لم تعد تتسع إلا للولاء الأعمى أو الانتماء العشائري الضيق.

أما التنظيمات التي كان يُفترض أن تكون الحارس الأمين للقضية، فقد تحولت إلى ملاذ للفاسدين والمفسدين. نسبة كبيرة ممن يتصدّرون مواقع القرار غارقون في مصالحهم الشخصية، يتاجرون بالدم والدمع، يرفعون رايات البطولة في النهار ويعقدون صفقات الظل في الليل. كأن فلسطين مجرد وسيلة لتكريس النفوذ، لا أمانة تُحمل على الأكتاف.

نشاهد اليوم بعض الأشخاص ينامون في حضن الجمعيات، يسرقون وينهبون باسم الشعب الفلسطيني، ويعملون ويتواطؤون ضد شعبهم، بقصد أو بغير قصد، ثم يُنَصِّبُ الواحد منهم نفسه مديراً للجمعية، كأنه المخلّص، وهو في الحقيقة أحد أسباب الخراب.

أما التنظيمات فلم تعد تضم جنوداً بسطاء يقاتلون بإخلاص، بل تحولت بأكملها إلى رتب عسكرية عالية. ترى عقيداً هنا، وعميداً هناك، ولواءً هنالك، حتى أصبح الجميع جنرالات، بلا جنود، بلا ميدان، بلا معركة. إنها ألقاب فارغة، أشبه ببدلات عسكرية تلمع في غياب الدماء الحقيقية التي تروي الأرض.

إنها أشبه بمأساة إنسانية تُدار بعقلية العصابات. التنظيمات بمعظمها، لم تعد إلا جماعات عائلية وعشائرية، كلٌّ يحمي أبناءه، ويوزع الغنائم على أقاربه،

وكأن دماء الشهداء إرثٌ يُورَّث، لا تضحياتِ شعبٍ بأكمله.

في هذا المشهد القاتم، تتلاشى صورة القضية العادلة. العالم ينظر إلى فلسطين، فيرى الانقسام، يرى التخبط، ويرى المحامي الفاشل وهو يرفع صوته في قاعة المحكمة بينما يبيع أوراق القضية في الخفاء. والنتيجة أن فلسطين تخسر رصيدها الأخلاقي، لا لأنها غير عادلة، بل لأنها تُدار بأيدٍ غير أمينة.

وهكذا يظل الفلسطيني البسيط يحمل جرحه بصمت، يعيش بين مطرقة الاحتلال وسندان الفساد الداخلي. لا يجد من يمثله بصدق، ولا من يذود عن حقه بإخلاص. يبقى وحده، أعزل، كأن قضيته باتت تنتظر جيلاً جديداً من المحامين الشرفاء، قبل أن يطويها التاريخ كأجمل قضية ضاعت بأردأ ممثلين فاسدين.

[محمود كلّم] كاتبٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

بين أنينِ نور وصمتِ العالم… دعاءُ أمٍّ من غزة

في منزلٍ أنهكته الحرب، وتسلّل إليه البرد والخوف معاً، لا يُسمع سوى أنين طفلةٍ يتردّد في الجدران المتصدّعة. تجلس سمر إسماعيل حما… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون