صبرا وشاتيلا… حين يصبح الوطن غطاءً للقتل!

منذ 5 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

هناك لحظات في التاريخ تُصعق فيها الكلمات، فلا يجد المرء ما يعبر عن الصدمة إلا الصمت. هكذا شعرت وأنا أقرأ تصريحات في جريدة اليمين المسيحي اللبناني التي أسسها الشاعر سعيد عقل، حيث دعا فيها إلى مواصلة ما سُمّي "عملية صبرا وشاتيلا". كلمات مثل: "كملوا… كل لبنان معكن" تتردد كأصداء من زمن أسود، لكنها عادت لتظهر على الورق، وكأنها شرعنة لغدر وإجرام بحق المدنيين العزل.

فكيف يمكن الاحتفاء بقتل الفقراء الأبرياء؟ كيف تتحول دماء الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والمصريين والجزائريين إلى شعارات وطنية؟ وكيف يمكن لأدب وشعر يُحتفى بهما أن يتحول إلى منصة لتأييد القتل والإجرام؟

هذا ليس مجرد موقف سياسي أو خيال طائفي، بل دعوة صريحة للعنصرية والعنف والقتل. المدنيون في صبرا وشاتيلا كانوا أطفالاً ونساءً وشيوخاً، كلهم دفنوا تحت شبهة الانتماء أو اللون أو الأصل. وهنا يكمن الاستغراب الأكبر: كيف يمكن لعقل مفكر وشاعر أن يدعو إلى استمرار ما يجرم القانون والأخلاق والدين؟

إنها مأساة مضاعفة: غدر وإجرام، مصحوب بالاحتفاء به، على صفحات تُقرأ أمام أعين العالم. وكيف لا نستغرب ونستهجن ونحن نرى التاريخ يعيد نفسه على دماء الأبرياء، بينما تتوارى الضمائر خلف شعارات وطنية أو مذهبية فارغة؟

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لأي كلمات أن تكفر عن الدماء التي سُفِكت على الأرض، عن أطفال فقدوا أهاليهم، وعن شعوب عاشت مأساة لا تزال تلقي بظلها على حاضرنا؟ وهل يكفي أن يكون القاتل في خدمة "الوطن" ليصبح البطش والفجيعة مشروعة؟

هذه التصريحات ليست مجرد خطأ سياسي، إنها ندبة على وجدان الإنسانية، تذكّرنا أن الحزن والاستغراب والاستهجان ليست خيارات، بل واجب أخلاقي وأدبي يفرضه ضمير كل من لا يزال يرى في الحياة قيمة للمدنيين الأبرياء.

كل دم بريء في صبرا وشاتيلا يصرخ عبر الزمن: كل صمت عن الجريمة، وكل شجب بلا فعل، هو مشاركة فيها. لن تكفي الكلمات وحدها لتكفير ما سُفِك على الأرض، ولن تمحو الدموع والألم. العدالة والرحمة وحدهما تحمي الإنسانية، وتذكّرنا بأن الدفاع عن المدنيين الأبرياء واجب لا يختفي مع مرور الزمن.

[محمود كلّم] كاتبٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

بين أنينِ نور وصمتِ العالم… دعاءُ أمٍّ من غزة

في منزلٍ أنهكته الحرب، وتسلّل إليه البرد والخوف معاً، لا يُسمع سوى أنين طفلةٍ يتردّد في الجدران المتصدّعة. تجلس سمر إسماعيل حما… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون