عتلةٌ في الرأس… وطعنٌ في العرض: من القتل إلى اغتيال الشخصية
محمود كلّم
كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.حين تُغتال الكلمة… ويُبرَّر القاتل
من قتل ناجي العلي؟
ومن قتل إسماعيل الخطيب؟
ومن قتل نزار بنات؟
السؤال ليس بريئاً، ولا هو لغزاً تاريخياً.
نحن نعرف القاتل، حتى وإن اختلفت الأسماء، وتبدّلت الأدوات، وتغيّرت الرايات. القاتل واحد:
الخوف من الكلمة،
والرعب من الوعي،
والذعر المزمن من إنسانٍ حرّ لا يمكن تدجينه.
في هذا الشرق المنهك، لا يُقتل المبدعون لأنهم حملوا سلاحاً، بل لأنهم حملوا مرآة.
مرآة كشفت القبح،
والفساد،
والكذب الذي يُراد له أن يُقدَّس باسم “المصلحة الوطنية” أو “المرحلة الحساسة”.
ناجي العلي اغتيل لأن ريشته كانت أصدق من ألف خطاب.
إسماعيل الخطيب أُسكت لأن العقل النقدي أخطر من العدو الخارجي.
ونزار بنات قُتل لأن صوته وصل إلى الناس بلا إذن، وبلا وساطة، وبلا خوف.
الجريمة لم تكن في أجسادهم فقط، بل في الرسالة:
من يخرج عن الخط يُكسَر،
ومن لا يصفّق يُعاقَب،
ومن يفضح يُمحى.
ثم تأتي المرحلة الأقذر:
تشويه الضحية،
النبش في السمعة،
الهمس في الأعراض،
والتشكيك في الوطنية.
وكأن القتل لا يكتمل إلا باغتيالٍ أخلاقيٍّ لاحق، يبرّر الجريمة، ويُريح الضمير العام، ويُخدّر الناس.
ليس غريباً أن يُشهَّر بالشهداء،
ولا أن يُتَّهَم الأسرى،
ولا أن يُخوَّن الأحياء والأموات معاً.
فالسلطة التي تخاف الكلمة لا تحترم الدم،
والنظام الذي يبرّر القتل لا يعرف حدّاً.
هذا تاريخ طويل من الاغتيالات الصامتة والعلنية،
تاريخ نُخَبٍ ملوّثة، وأنظمة لم ترَ في شعبها سوى خطرٍ يجب ضبطه، لا كرامةً يجب حمايتها.
خنجرٌ مسموم في خاصرة الوطن، يُغرس باسم “الاستقرار”، بينما يُنزَع القلب ببطء.
ومع ذلك ورغم كل هذا السواد، لم ينتصر القتلة.
كل من اغتال كلمة خسر معركته مع الزمن،
وكل من ظن أن القمع يصنع هيبة اكتشف متأخراً أنه يصنع كراهية وذاكرة لا تموت.
قد يُسكَت الصوت،
وقد يُكسَر الجسد،
لكن الفكرة… لا تُدفَن.
والله غالب على أمره،
ولو كره القتلة،
ولو طال ليلهم،
ولو ظنوا أن الخوف قد صار قدراً أبدياً.
هذه كتابة للاتهام
شهادة حزن،
وسجل إدانة،
ورسالة واضحة:
الكلمة التي تُغتال اليوم ستعود غداً… أقسى، وأوضح، وأعلى.
ومهما طال ظلام الليل،
فإن العملاء والخونة،
مصيرهم لن يكون أفضل من مصير عملاء وخونة الجزائر وأفغانستان،
وجيش لبنان الجنوبي.
قد يربحون وقتاً،
وقد يختبئون خلف سلطة أو سلاح،
لكن الشعوب لا تنسى،
والتاريخ لا يرحم.
ومن يعش… يرى.



أضف تعليق
قواعد المشاركة