غزّة: حين تكون الكرامة أغلى من الحياة
محمود كلّم
كاتب فلسطينيفي زمنٍ يُقاس فيه الضمير بعدد البيانات، وتُوزن فيه العدالة بميزان المصالح، تقف غزة وحيدةً في مواجهة عالمٍ يتقن الصمت أكثر مما يتقن الإنصاف. صمتٌ دوليٌّ كثيف، بارد، يكاد يكون شريكاً في الجريمة؛ صمتٌ يرى الدم ولا يتحرّك، يسمع الصراخ ولا يجيب، ويعدّ الضحايا أرقاماً قابلة للأرشفة والنسيان.
غزة ليست مدينةً فقط، بل امتحانٌ أخلاقيٌّ مفتوح أمام البشرية. كلُّ بيتٍ فيها سؤال، وكلُّ طفلٍ شهادة، وكلُّ شهيدٍ وثيقة إدانة. حين تُقصف البيوت، لا تُقصف الحجارة وحدها؛ يُقصف معنى الحياة، وتُستهدف فكرة الإنسان. ومع ذلك تنهض غزة من تحت الركام، لا لتتوسّل شفقة العالم، بل لتعلن خيارها التاريخي: المقاومة والكرامة.
المقاومة في غزة ليست نزوة عنف، ولا خطاباً شعارياً؛ إنها فعلُ بقاء. هي اللغة الوحيدة التي فهمها تاريخ الاستعمار، والحقّ الطبيعي لشعبٍ سُدّت في وجهه كلُّ أبواب العدالة. حين يغيب القانون الدولي أو يُفرَّغ من مضمونه، تصبح المقاومة دفاعاً عن المعنى، عن الحق في الحياة، عن الذاكرة التي يصرّ العالم على محوها.
أخلاقياً، لا يمكن للحياد أن يكون موقفاً. الحياد في وجه الظلم انحيازٌ له. والتوازن الزائف بين الجلاد والضحية خيانةٌ للحقيقة. التاريخ علّمنا أن الصمت لا يحمي الأبرياء، بل يطيل عمر الجرائم. علّمنا أن الشعوب التي قاومت كُتبت أسماؤها في سجل الكرامة، وأن الذين اكتفوا بالمشاهدة كُتبت أسماؤهم في هوامش العار.
تاريخياً، غزة امتدادٌ لسلسلة طويلة من الصمود الفلسطيني. من يافا وحيفا واللدّ، إلى المخيمات والشتات، لم يكن الفلسطيني طالب موت، بل طالب حياةٍ حرّة. كلُّ جيلٍ ورث الحكاية وأضاف إليها فصلاً جديداً من التحدّي. وغزة اليوم تكتب فصلها بالنار والصبر، لتقول: لسنا عابرين في هذه الأرض، ولسنا هامشاً في رواية الآخرين.
في زمن الصمت الدولي، تختار غزة أن تكون صوتاً. تختار أن تقول “لا” حين يصمت الجميع، وأن ترفع رأسها حين يُطلب منها الانكسار. تختار المقاومة لا لأنها تعشق الحرب، بل لأنها ترفض الذلّ. تختار الكرامة لأنها تعرف أن الحياة بلا كرامة موتٌ مؤجَّل.
غزة تعرف أن الطريق طويل، وأن الثمن باهظ، لكنها تعرف أيضاً أن التاريخ لا يرحم المتخاذلين. وفي يومٍ ما، حين يُعاد فتح دفاتر هذا الزمن، سيُسأل العالم: أين كنتم؟ وستجيب غزة، بصوتٍ مبحوح لكنه ثابت: كنا هنا… نقاوم لنحيا بكرامة.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



أضف تعليق
قواعد المشاركة