وطنٌ ينزفُ بصمتٍ
محمود كلّم
كاتب فلسطينيليست الأونروا هي المشكلة،
وإن كانت فاسدة، مُفسِدة، ومجرد أداة مُنهَكة في منظومة دولية لا ترى في الفلسطيني سوى رقمٍ مؤقت على جدول المساعدات.
هذا بات أمراً مكشوفاً، لا يحتاج إلى كثير عناء لإثباته، ولا جدوى من إضاعة الغضب عليه وحده.
المأساة أعمق.
وأثقل.
وأكثر ألماً.
المشكلة الحقيقية تكمن في سلطةٍ نشأت من رحم الهزيمة، وتغذّت على وهم التمثيل، ورفعت لافتة “الشرعية” فوق ركام القضية.
سلطةٌ لم تأتِ لتحرير الأرض، بل لتنظيم الاحتلال.
لم تُولد لتكون أداة مقاومة، بل تحوّلت إلى حارسٍ مدجّجٍ بالتنسيق الأمني المقدس، يقدّسه أكثر مما يقدّس دم الشهداء.
هي السلطة نفسها التي خلّفت لنا اتفاق أوسلو،
ذلك النص المشؤوم الذي أعاد تعريف الوطن كمسألة إدارية،
وحوّل القضية من صراع تحرر إلى نزاعٍ على تصاريح،
ومن شعبٍ تحت الاحتلال إلى “سكان” بحاجة لإدارة ذاتية منزوعة السيادة.
لكن وبرغم كل ذلك،
ليست هذه هي الكارثة الكبرى.
الكارثة الحقيقية…
أن يبقى هذا كلّه قائماً لأن الشعب، أو جزءاً واسعاً منه، ما زال يحتضن هذه العصابات السياسية.
يمنحها الشرعية بالصمت،
ويطيل عمرها بالخوف،
ويبرر بقاءها بالإرهاق واليأس.
أن يُترك القتلة في مواقع القرار،
والفاسدون في مقاعد التمثيل،
والسماسرة في واجهة “النضال”،
بينما تُدفن الحقيقة، مرةً بعد مرة، في مقابر النسيان.
ليس أكثر حزناً من شعبٍ يعرف جلاده،
ويواصل العيش تحت سوطه.
ليس أشد قسوة من وطنٍ يرى خيانته يومياً،
ولا يملك – أو لا يريد – أن يلفظها خارج تاريخه.
فالقضية لم تعد فقط احتلالاً جاثماً على الأرض،
بل عطباً عميقاً في الوعي،
وشللاً أخلاقياً جعل من القهر أمراً معتاداً،
ومن الذل واقعاً قابلاً للتكيّف.
وحين لا تُلقى هذه العصابات في مزابل التاريخ،
لا لأن العدو يحميها فحسب،
بل لأن الداخل يتعايش معها،
فإن الهزيمة لا تكون سياسية فقط،
بل وجودية…
ومفتوحة على مستقبلٍ بلا خلاص.
هذا كلامٌ خرج من جرحٍ مفتوح،
لا من رغبة في الاتهام،
بل من حاجةٍ مُلحّة لأن تُقال الحقيقة كما هي.
وفي النهاية،
لا يبقى لنا سوى هذا الصمت الثقيل،
كفناً جماعياً نلفّ به الحقيقة كلّ مساء.
نشيّع الوطن على دفعات،
مرّة باسم «الواقعية»،
ومرّة باسم «الخوف»،
ومرّات باسم «لم يعد للكلام جدوى».
نمشي فوق الجراح كأنها طرقٌ معتادة،
ونعتاد الخسارة حتى تفقد معناها،
ويغدو الوطن ذكرى مؤجَّلة،
لا مشروع خلاص.
ليس لأن الدم شحيح،
ولا لأن التضحيات نفدت،
بل لأن الألم طال حتى تعب من الصراخ،
ولأن الحق طال انتظاره حتى شكّ بنفسه.
هكذا يموت الوطن ببطء،
لا برصاصةٍ واحدة،
بل بألف تبرير،
وألف صمت،
وألف خيانةٍ صغيرة تُرتكب باسم البقاء.
وما أقسى أن نختم الحكاية دون نهاية،
أن نعرف الحقيقة كاملة،
ونختار، رغم ذلك،
أن نواصل النزف…
بصمت.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



أضف تعليق
قواعد المشاركة