وهل للدم ذاكرة؟

منذ يوم   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

وهل لا يزال اللون أحمر، أم أنّه، مع مرور الوقت، كفّ عن كونه لوناً، وصار معنى؟

 

سؤال لا يُطرح في مختبرات التاريخ، بل على أرصفة المدن المدمّرة، عند الحواجز، وفي القبور المفتوحة على احتمالات لا تنتهي من الألم.

 

للدم ذاكرة، نعم.

 

ذاكرة لا تشبه أرشيف الدول ولا بيانات الناطقين الرسميين. ذاكرة عنيدة تسكن التراب، وتتسرّب ببطء إلى باطن الأرض، لا لتختفي، بل لتختزن. في غزة، يتحوّل الدم إلى شاهد صامت، يروي ما تبقّى للمنسيّين من حلم، وما تبقّى للمقهورين من أمل، بأرض لم تكفّ يوماً عن الابتلاع.

 

اللون لم يعد أحمر كما نعرفه.

 

صار أثقل من أن يُرى، وأصدق من أن يُنكر. صار سياسة مكتوبة خارج النصوص، وصار اتهاماً مفتوحاً في وجه نظام لا يرى في الدم سوى رقم، ولا في الشهيد سوى عبء على روايته الرسمية.

 

وفي غزة، حيث لا يتوقّف النزف، لم يعد الدم حدثاً استثنائياً، بل صار إيقاعاً يومياً للحياة، وذاكرة جماعية تُقصف ثم تُعاد كتابتها فوق الركام، كأنّ الأحمر هناك يرفض أن يجفّ، لأنّه يعرف أنّ النسيان أخطر من الموت.

 

في بلادنا، لا يُسفك الدم صدفة.

 

يُدار، يُبرَّر، ثم يُطلب منّا أن ننساه. يُقال لنا إنّ الوقت كفيل بالشفاء، وإنّ الاستقرار أولاً، وإنّ الأسئلة مؤذية، لكن أيّ استقرار يُبنى فوق دم بلا عدالة؟ وأيّ شفاء يُفرض بالصمت؟

في مقبرة الشهداء بالخليل ، عند ذلك القبر الذي احتضن جسد الشهيد نزار بنات(أبو كفاح)، لم تكن الأرض محايدة. كانت تعرف من تستقبل، وتعرف أنّ ما دُفن فيها ليس جسداً فقط، بل سؤالاً سياسياً فاضحاً، واتهاماً مفتوحاً في وجه سلطة أرعبتها الكلمة أكثر ممّا أرعبتها الجريمة.

 

الدم، حين يسيل، لا يصرخ فقط، بل يسأل.

 

يسأل عن القاتل، وعن الشريك، وعن الصامت. يسأل عن سلطة لا تحمي أبناءها، وعن سلطة تخاف الحقيقة أكثر ممّا تخاف الجريمة. يسأل عن إعلام يساوي بين الجلّاد والضحية، وعن قضاء يؤجّل العدالة حتى تصير ذكرى.

 

وحين يتّجه الدم إلى باطن الأرض، لا يبرد.

 

هناك في مقبرة الشهداء بالخليل، في العتمة حيث قبر نزار بنات (أبو كفاح)، يختلط بجذور الزيتون، بعظام السابقين، بتاريخ طويل من القهر والمقاومة. هناك في مقبرة الشهداء بالخليل حيث قبر نزار بنات (أبو كفاح)، يصير تربة صالحة للغضب، لا للنسيان. كل محاولة لطمسه هي، في الحقيقة، سقيٌ إضافي لذاكرته.

 

أمّا الفلسطيني في الشتات، في المنافي البعيدة، فيحمل هذا الدم دون أن يراه. يحمله في الذاكرة، في اللهجة، في الخوف من الأخبار العاجلة، وفي الإحساس الدائم بأنّ الوطن ينزف وهو عاجز عن الوصول. فيصير الدم جسراً مؤلماً بين من بقي ومن اقتُلع.

 

الدم لا ينسى أسماء أصحابه.

 

ولا ينسى الوجوه التي مرّت فوقه مسرعة. لا ينسى من برّر، ولا من خوّن، ولا من قال إنّ الوقت غير مناسب للحقيقة. الذاكرة هنا ليست عاطفة، بل موقف سياسي بامتياز.

 

لهذا، فإنّ السؤال ليس: هل للدم ذاكرة؟

 

السؤال هو: هل نملك نحن الشجاعة للاعتراف بها؟

 

لأنّ الدم، مهما غاص في الأرض، سيعود. سيعود من غزة، ومن الخليل، ومن قبور الشهداء، ومن صدور المنفيّين. سيعود سؤالاً، واتهاماً، وربّما وعداً. وعداً بأنّ الأرض التي ارتوت به لن تقبل، بعد اليوم، أن تُحكم بالكذب، ولا أن تُدار بالنسيان.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

 


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

غزة: آخر المتاريس… وسيرة وطن يُستنزَف حتى الإبادة!

غزة ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، ولا عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، بل ساحة جريمة مكتملة الأركان تُرتكب على الهواء مباشرة. هي … تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون