نُبوءةُ ناجي العلي… وصمتٌ عربيٌّ يُطيلُ المأساة!

منذ يومين   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

في هذه اللحظة القاتمة التي يمرّ بها العالم، تعود إلى الذاكرة صورة الفنان الذي كان يرى أبعد مما يراه السياسيون جميعاً: ناجي العلي. لم يكن رسّاماً فحسب، بل قارئاً عميقاً لمستقبلٍ يتكرر فيه القمع بأشكال جديدة، وكأن التاريخ يُصرّ على إعادة إنتاج مآسيه.

قبل أكثر من أربعين عاماً، رسم ناجي العلي عالماً كانت فيه الكلمة جريمة،

والموقف تهمة، والجرأة على قول "لا" سبباً كافياً لثقل القبضة فوق أعناق أصحابها. كان يرى ما لم يره غيره: أن مواجهة الإحتلال بالكلمة قد تتحول إلى خطر على حياة من يتجرأون عليها.

واليوم نستعيد هذا الإرث المؤلم ونحن نشاهد رؤساء دول من أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا يرفعون أصواتهم ضد العدوان، ويواجهون لوبيات سياسية واقتصادية وإعلامية لا تتسامح مع من يخرج عن الإجماع المفروض.

ومع ذلك فإن المفارقة التي تُقطِّع القلب أنّ أحداً لا يتوقّع أن يُختطف رئيس عربي؛ فلا رئيس يرفع الصوت ضد الظلم، ولا زعيم فلسطيني قادر على التحرر من حسابات الاحتلال والارتباطات السياسية. لقد أصبح الصمت العربي جزءاً من المشهد، وكأن المنطقة استسلمت لفكرة أن العدالة ليست معركة تخصّها.

وفي حين يُغامر قادة بعيدون جغرافياً وقريبون إنسانياً باتخاذ مواقف جريئة، يقف العالم العربي أمام المرآة ليرى انعكاساً محزناً لذاته: قيادات محكومة بحسابات البقاء، ومعارضة مكبّلة، وشعوب تُغتال أصواتها بين الترهيب واليأس.

ما بين توقّعات ناجي العلي ورسوماته التي تحولت إلى نبوءات، وما بين واقع اليوم، يقف سؤالٌ لا يزال معلّقاً:

كيف يصبح العالم أكثر جرأةً على الدفاع عن فلسطين من أهل المنطقة أنفسهم؟

وكيف يُعاقَب الآخرون على مواقفهم بينما الصمت هنا لا يُكسَر ولا يُحاسَب؟

إنه مقال لا يبحث عن جواب بقدر ما يرثي زمناً فقد فيه الصوت العربي قوته، وفقدت فيه القضيةُ من يتقدمون للدفاع عنها دون خوف أو تردد.

وحده "حنظلة" يواصل النظر إلى المشهد… بظهره، كما لو أنه أدرك منذ سنوات أن الحزن سيظلّ هنا، وأن طريق العدالة لم نَمشِ فيه بعدُ بما يكفي.

 

وفي هذا المشهد الموجع، لا يبقى سوى شعورٍ ثقيلٍ بالعجز. العالم الذي كان ناجي العلي يحذّر منه قبل عقود لم يعد مستقبلاً بعيداً، بل أصبح واقعاً يضغط على صدورنا كل يوم. تتحدّث القوى البعيدة بجرأة، وتتعرّض للتهديد والملاحقة لأنها قالت كلمة حق، بينما تبقى منطقتنا غارقة في صمتٍ يشبه الاستسلام أكثر مما يشبه الحكمة.

يمضي الزمن، وتتكرر الوجوه، وتتبدل الشعارات، غير أنّ الحقيقة نفسها تظل واقفة كجدار لا يتحرك: أن فلسطين لا تزال وحيدة في مواجهة عالمٍ يفهم الظلم بأكثر مما يفهم العدالة، وعالم عربي فقد صوته، أو ربما تنازل عنه.

وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً، ينزف مع كل يوم جديد:

هل سنظل ننتظر أن يدافع الآخرون عن قضايانا بينما نعجز حتى عن رفع الصوت؟

أم أن الوقت قد فات، وصار الصمت قدَراً لا نملك كسره؟

في هذا الفراغ الثقيل، يقف "حنظلة" كما تركه صاحبه… بلا ملامح، بلا عمر، بلا قدرة على الالتفات.

يراقبنا من بعيد، ويعرف أكثر مما نعرف نحن أن الحزن سيظل طويلاً، وأن الطريق نحو الكرامة ما زال غائباً… وربما لم يبدأ بعد.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

أسماء الصانع

الإنسانية في زمن اللامبالاة والاستعراض الرقمي

هذه المرة أقولها بصدق لا ينبغي أن يكون استقبال عام جديد أمرا عاديا، لا بد من أن يرافقه إحساس فارق ينهض بإنسانيتنا، ويرتقي بها إلى … تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون