أنس الشريف ومحمد قريقع… حين يكتب الشهداء وصية الحقيقة ويفضحون موت الضمير!

منذ 5 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

لم يكن استشهاد أنس الشريف إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من اغتيال الكلمة، ولم يكن رحيل محمد قريقع إلا فصلاً آخر في معركة مفتوحة ضد الحقيقة.

ومن قبلهم، رحل كثيرون حملوا الكاميرا والقلم والميكروفون كسلاح، في مواجهة آلة الاحتلال التي تدرك أن الصورة الصادقة أفتك من الرصاصة، وأن الكلمة المخلصة أقوى من ألف دبابة.

أنس الشريف، ابن مخيم جباليا، كتب وصيته الأخيرة بدم قلبه قبل أن يخطها بحبره، وأوصى بفلسطين وأهلها وأطفاله، وأوصى أن تبقى الحقيقة حيّة… لكن العالم قرأ وصيته كما يقرأ نشرة الطقس، ثم قلب الصفحة.

أما محمد قريقع، ابن غزة، الذي ملأ السماء بصوره المشرقة للحياة رغم الحصار، فقد صار هو نفسه صورة معلّقة على الجدران، وذكرى حيّة في قلوب من أدركوا أن الحرية لا تُنال إلا بثمن باهظ.

وقبلهم، كان هناك من حملوا الكلمة حتى آخر نفس، فسقطوا وهم ينتزعون صرخة من بين أنياب الصمت، ويشعلون شمعة من بين أصابع الدم.

كتبوا ضد الاحتلال، وضد الإبادة في غزة، والتقطوا الحقيقة قبل أن يبتلعها الغبار، ووثّقوا الجريمة قبل أن تُطمس معالمها.

لكن الضمير الإنساني، الذي كان يُفترض أن ينتفض حين يرى الصحفيين يُقتلون في الميدان، جلس في مقعده صامتاً، يعدّ الضحايا بالأرقام، ويتعامل مع الدماء كإحصائيات باردة.

اليوم، ونحن نودّع أنس ومحمد، ومن سبقهم من فرسان الحقيقة، لا نرثيهم وحدهم، بل نرثي إنسانية عالمٍ ماتت يوم قبلت أن يكون قتل الصحفيين خبراً عابراً في شريط الأخبار.

نرثي مواثيق حرية الصحافة التي تحوّلت إلى أوراق صفراء لا تمنع رصاصة، ولا توقف قصفاً، ولا تحمي حامل الكاميرا من قنّاص يراه هدفاً مشروعاً.

أنس الشريف كان يظن أن صوته سيصل يوماً، ومحمد قريقع كان يعتقد أن الصورة قد تهز الضمير العالمي… لكنهما، وهما في عليائهما الآن، يعلمان أن الضمير الإنساني لم يهتز، وأن صمته يشبه صمت أهل القبور، لا يسمع ولا يجيب.

ومع ذلك، سنظل نكتب كما كتبوا، ونصوّر كما صوّروا، ونصرخ كما صرخوا، لأن الحقيقة لا تموت بموت أصحابها، ولأن دماءهم ستبقى تطارد القاتل، وتفضح الصامت، وتوقظ من بقي فيه ذرة من إنسانية.

[محمود كلّم] كاتبٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنَين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

 

 

 

 

مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

وفاءٌ في غياب المعلّم… إلى روح الدكتور أنيس صايغ!

لم يكن لقائي بالدكتور أنيس صايغ حدثاً عابراً في سيرةٍ شخصية، ولا لحظةً عابرة في ذاكرةٍ بحثية. كان أشبه بوقوع القلب على يقينٍ نادر،… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون