الصحافة الفلسطينية قبل النكبة.. معركة مفتوحة على الذاكرة والهوية

منذ ساعتين   شارك:

ياسر علي

إعلامي وشاعر فلسطيني

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور، وتعرّضت المطابع والمكتبات إلى النهب والمصادرة.

 

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور، وتعرّضت المطابع والمكتبات إلى النهب والمصادرة.

 

شكّلت الصحافة الفلسطينية، منذ نشأتها في مطلع القرن العشرين، إحدى أهم أدوات التعبير عن الهوية الوطنية الفلسطينية، وساحة مركزية للصراع على الرواية التاريخية لاحقاً في مواجهة الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني. ولم تكن الصحف الفلسطينية مجرّد منابر إخبارية، بل لعبت دوراً سياسياً وثقافياً مباشراً في صياغة الوعي الجمعي، وتوثيق الحياة اليومية، ومتابعة أخبار الثورات الفلسطينية، وصلت إلى تحفيز الثوار وتحريض الشعب على المشاركة في الفعاليات الداعمة للثورة..

 

في أتون الصراع

انطلقت الصحافة الفلسطينية الحديثة في أواخر العهد العثماني، مستفيدة من هامش الحرية الذي أتاحه إعلان الدستور عام 1908. وصدرت صحف بارزة في القدس ويافا وحيفا، وأسهمت في نقل واقع المجتمع الفلسطيني، والتحذير من مخاطر الاستيطان الصهيوني، والدعوة إلى حماية الأرض والهوية.

 

ومنذ تلك المرحلة، اصطدمت الصحافة الفلسطينية بالسلطات الحاكمة، وتعرّضت للرقابة والمصادرة، ما أظهر صراعها مع السلطة، وجعل من الكلمة المكتوبة فعلاً سياسياً لا يمكن فصله عن الواقع.

 

انطلقت الصحافة الفلسطينية الحديثة في أواخر العهد العثماني، مستفيدة من هامش الحرية الذي أتاحه إعلان الدستور عام 1908. وصدرت صحف بارزة في القدس ويافا وحيفا، وأسهمت في نقل واقع المجتمع الفلسطيني، والتحذير من مخاطر الاستيطان الصهيوني، والدعوة إلى حماية الأرض والهوية.مع بداية الانتداب البريطاني عام 1917، دخلت الصحافة الفلسطينية مرحلة جديدة من التأثير والخطر. فقد تحوّلت الصحف إلى أدوات تعبئة وطنية، وشاركت في دعم الحركات الاحتجاجية والإضرابات العامة، لا سيما في خلال ثورة الشيخ عز الدين القسّام، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.

 

ردّت سلطات الانتداب على هذا الدور بإجراءات قمعية واسعة شملت إغلاق الصحف، وفرض الغرامات، واعتقال الصحفيين، في محاولة للحد من تأثير الخطاب الوطني الذي بات يشكّل تهديداً مباشراً للسياسات الاستعمارية.

 

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور، وتعرّضت المطابع والمكتبات إلى النهب والمصادرة. لم يكن الهدف تعطيل الصحافة فقط، بل محو الذاكرة المكتوبة التي وثّقت وجود الفلسطينيين وتاريخهم السياسي والاجتماعي.

 

ما تبقّى من الأرشيف الصحفي الفلسطيني نُقل إلى مؤسسات إسرائيلية رسمية، أبرزها المكتبة الوطنية الإسرائيلية والجامعة العبرية، حيث جرى جمع آلاف الأعداد من الصحف الفلسطينية الصادرة قبل النكبة، وإعادة تصنيفها ضمن ما عُرف لاحقاً بأملاك "الغائبين".

 

تكشف الدراسات التي تناولت تلك المرحلة أنّ عملية جمع الصحف والكتب الفلسطينية لم تكن عشوائية، بل جرت ضمن سياسة منظمة هدفت إلى السيطرة على التراث الثقافي الفلسطيني. فقد جُمعت عشرات آلاف المواد الثقافية من القدس الغربية، ثم من يافا وحيفا ومدن أخرى، تحت ذريعة "الحفاظ عليها من الضياع". وقد فصل في هذه الأعمال غيش عميت في كتابه "بطاقة ملكية"، الذي تناول بالتفصيل كيفية الاستيلاء على الكتب وتصنيفها في الجامعة العبرية والمكتبة الوطنية.

 

غير أنّ هذه الذريعة أخفت حقيقة أساسية، وهي أنّ هذا التراث انتُزع من سياقه الطبيعي، وأُعيد إنتاجه داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية، ما حرم الفلسطينيين من حقهم في الوصول الحر إلى تاريخهم، وسمح بإعادة تقديمه وفق تصنيفات ورؤى لا تعبّر عن روايته الأصلية.

 

وتكتسب الصحف الفلسطينية التاريخية حساسية خاصة بالنسبة للاحتلال، لأنها توثّق تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل عام 1948: أسماء المدن والشوارع، والأحزاب والجمعيات، والإعلانات التجارية، والمدارس، والنقابات. وهي بذلك تفنّد عملياً الرواية الصهيونية التي أنكرت وجود شعب فلسطيني متكامل قبل النكبة.

 

ولهذا السبب، أثار نشر هذه الصحف بصيغة رقمية في السنوات الأخيرة على موقع المكتبة الوطنية جدلاً داخل "إسرائيل"، حيث اعتبرها بعض المسؤولين دليلاً خطيراً يعيد تثبيت الوجود الفلسطيني التاريخي، ويقوّض محاولات طمس هذا الوجود من الذاكرة العامة، وطالب إيتامار بن غفير بإخفاء هذا الأرشيف ورفعه عن الإنترنت للسبب المذكور.

 

معركة الذاكرة

لا تتوقف المواجهة عند حدود المصادرة المادية، بل تمتدّ إلى التحكم في المعرفة والسرد. فحين يكون الأرشيف الفلسطيني محفوظاً داخل مؤسسات استعمارية، يصبح الوصول إليه خاضعاً لشروط سياسية وأكاديمية، ويُفصل عن سياقه الوطني، ما يحوّله إلى مادة "محايدة" ظاهرياً، لكنها فاقدة لروحها الأصلية.

 

بهذا المعنى، تُمثّل السيطرة على الصحافة الفلسطينية شكلاً من أشكال الاستعمار المعرفي، الذي يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ، أو على الأقل تجريده من مضمونه التحرري.

 

مبادرة

في مواجهة هذا الواقع، برزت مبادرات فلسطينية أهلية عملت على استعادة الأرشيف الصحفي الفلسطيني، وإعادته إلى متناول شعبه وباحثيه. وفي هذا السياق، أطلقت مؤسسة العودة الفلسطينية مشروعاً منظّماً لحفظ وأرشفة الصحافة الفلسطينية التاريخية، من خلال تنزيل الأعداد الرقمية، وترتيبها، وإتاحتها عبر قناة "كتب فلسطين" على تطبيق تيليغرام. كما قدّمت المؤسسةُ هذا الأرشيف لمكتبة متحف فلسطين في اسطنبول، وتعمل على تقديمه للمكتبات الفلسطينية الكبرى ومراكز الدراسات الفلسطينية.

 

تكتسب الصحف الفلسطينية التاريخية حساسية خاصة بالنسبة للاحتلال، لأنها توثّق تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل عام 1948: أسماء المدن والشوارع، والأحزاب والجمعيات، والإعلانات التجارية، والمدارس، والنقابات. وهي بذلك تفنّد عملياً الرواية الصهيونية التي أنكرت وجود شعب فلسطيني متكامل قبل النكبة.وقد شمل المشروع حتى اليوم عشرات الآلاف من الأعداد الصحفية، تمثّل عشرات الإصدارات الفلسطينية الصادرة قبل النكبة، وفي مقدمتها صحف مركزية لعبت دوراً محورياً في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني. ويهدف هذا الجهد إلى حماية الذاكرة الصحفية من الاحتكار والتشويه، وضمان بقائها وثيقة حيّة تشهد على تاريخ شعبٍ ناضل ولا يزال يناضل من أجل حريته وحقه في أرضه وهويته.

 

وقد شمل المشروع حتى اليوم نحو 17500 عدد من 87 إصداراً صحفياً فلسطينياً قبل النكبة، كان أبرزها: صحيفة فلسطين: 6564 عدداً، صحيفة الدفاع: 3315 عدداً، الجامعة الإسلامية: 1159 عدداً، الكرمل: 1155 عدداً.

 

ويمثّل هذا الجهد مساهمة حيوية في استعادة الذاكرة الصحفية الفلسطينية، وإعادة وضعها في متناول شعبها، بوصفها وثيقة نضال وهوية لا تقبل المصادرة أو الاحتكار.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

ياسر علي

الصحافة الفلسطينية قبل النكبة.. معركة مفتوحة على الذاكرة والهوية

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون