«محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ

منذ 5 ساعات   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

عن أستاذٍ علّم الأمانة، وترك في الذاكرة حزن الحقيقة وكرامة المعرفة.

لا أستطيع أن أحدد بدقّة تاريخ اللقاء الأول الذي جمعني بالدكتور أنيس صايغ، لكنني أستطيع أن أحدد يقيناً اللحظة التي بدأ فيها حضوره العميق في حياتي الفكرية والبحثية. كان ذلك من بوابة جريدة السفير؛ الجريدة التي كنت أشتريها بشغف، لا لأتابع الأخبار فحسب، بل لأحتفظ برسومات ناجي العلي، وأنتظر كل يوم جمعة مقالات أنيس صايغ، أقرأها، وأعيد قراءتها، ثم أضعها بعناية في ملف خاص، كأنني أحفظ كنزاً لا يُقدّر بثمن.

تحوّل هذا الإعجاب إلى معرفة شخصية، ثم إلى علاقة تلميذ بأستاذه. كنت ألتقيه كل يوم ثلاثاء في “اللقاء الثقافي الفلسطيني” في نادي خريجي الجامعة الأميركية في بيروت، وأزوره كل يوم جمعة في مكتبه في مار الياس، وأحياناً في منزله في بيروت. لم يكن أنيس صايغ مجرد مفكر كبير أو باحث موسوعي؛ كان أستاذاً حقيقياً، صبوراً، دقيقاً، كريماً في وقته ومعرفته. علّمني أصول البحث، وأسّس لي قواعد الكتابة الرصينة، وكان يرشدني إلى أدق التفاصيل، كأن المعرفة عنده مسؤولية أخلاقية لا ترفاً فكرياً.

وكان يسعدني على نحو خاص، ويمسّني بعمق، طريقته في مناداتي. كثيراً ما كان يقول لي: «محمود من شاتيلا»، وأحياناً يختصرها بمحبة أكبر: «محمود شاتيلا». لم تكن مجرد تسمية، بل اعترافاً بالهوية والانتماء، واحتضاناً إنسانياً عميقاً لمكانٍ مثقل بالجراح، لكنه عامر بالكرامة.

ولا غرابة في ذلك؛ فأنيس صايغ، المسيحي في انتمائه الديني، كان أول من يهنئني في جميع المناسبات الإسلامية. كان يؤمن أن الإنسان يسبق الطائفة، وأن فلسطين كانت بوصلته الوحيدة.

ومن مفارقات تلك العلاقة، حادثة لا أنساها ما حييت. كنت قد جمعت مقالاته المنشورة في السفير، وقررت أن أجمعها في ملف واحد يشبه كتاباً، وأهديه له عربون تقدير وامتنان. أنجزت نسختين في مكتبة “القبس” مقابل جامعة بيروت العربية. بالصدفة، التقيت أحد معارفي (س. ب. ه)، فأخبرته بما أفعل. قال لي إنه متوجه لزيارة الدكتور أنيس صايغ، فطلبت منه أن يسلمه نسخة المقالات، وأن ينقل له تحياتي، على أن أزوره أنا يوم الجمعة التالي.

حين ذهبت يوم الجمعة، وجدت على طاولة مكتبه نسخة من تلك المقالات. جلسنا أكثر من ساعة، ولم يأتِ على ذكرها. وعندما فتحتُ أنا الموضوع، فوجئت بالحقيقة الصادمة: الرجل الذي سلّم النسخة للدكتور أنيس ادّعى أنه هو من جمع المقالات وأعدّها في كتاب. عندها أخبرته بالحقيقة كاملة.

وفي لحظة انكشاف القصة، كنت أحمل في حقيبتي، وبمحض الصدفة، النسخة الأصلية من المقالات والنسخة الثانية. أخرجتهما أمامه. أمسك الدكتور أنيس صايغ بالنسختين بيده، قلّبهما بهدوء، وتوقّف طويلاً عند الملاحظات المكتوبة بخط يدي. في تلك اللحظة، لم يقل شيئاً، لكنني رأيت الحزن في عينيه. كان حزن العارف، لا حزن المفاجأة فقط؛ حزن من يؤلمه أن تُمسّ الحقيقة، وأن يُساء إلى معنى الجهد والأمانة.

كان لي شرف كبير أن يكتب الدكتور أنيس صايغ مقدمة كتابي «مخيم شاتيلا: الجراح والكفاح»، الصادر عن منظمة ثابت2008. ذلك الشرف سيبقى علامة مضيئة في مسيرتي. أما في كتاب «عشائر قضاء عكا»، الصادر عن دار بيسان سنة 2016، فقد تابع معي الدكتور أنيس تفاصيل الإعداد، وأرسلت له نسخة أولية ليقوم بمراجعتها ويكتب المقدمة. قال لي يومها إنه متجه إلى عمّان لحضور أعياد الميلاد، وإنه عند عودته سيكتب المقدمة. لكن الموت كان أسرع. رحل قبل أن يعود، ورحل قبل أن يكتب، ورحل قبل أن نكمل الحديث.

برحيل أنيس صايغ، لم أخسر أنا أستاذي فقط؛ خسرت فلسطين أحد أنبل عقولها، وخسرت الأجيال الشابة معلّماً لم يبخل يوماً على طالب أو باحث قصده طلباً للمساعدة. كان يؤمن أن المعرفة فعل مقاومة، وأن الكتابة مسؤولية وطنية، وأن المثقف الحقيقي هو من يفتح الأبواب لا من يغلقها.

اليوم ونحن أحوج ما نكون إلى قامات فكرية وأخلاقية من طراز أنيس صايغ، يبدو الغياب أكثر قسوة، والفراغ أكثر اتساعاً.

ومع ذلك يبقى العزاء الوحيد أن أمثال هؤلاء لا يرحلون تماماً؛ يظلون في كتبهم، وفي تلامذتهم، وفي كل فكرة زرعوها بإخلاص.

أنيس صايغ… خسرتك فلسطين، وخسرناك نحن، لكننا ما زلنا نتعلم منك، حتى بعد الرحيل.

 

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

«محمود من شاتيلا»… شهادةُ وفاءٍ لأنيس صايغ

عن أستاذٍ علّم الأمانة، وترك في الذاكرة حزن الحقيقة وكرامة المعرفة. لا أستطيع أن أحدد بدقّة تاريخ اللقاء الأول الذي جمعني بالدك… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون