نزار بنات... شهيدُ الكلمة والشّاهدُ الذي كتب وصيّتهُ بدمهِ!

منذ 6 أشهر   شارك:

محمود كلّم

كاتب فلسطيني

في بلادٍ تُجلد فيها الحقيقة، ويُغتال فيها الصادقون قبل أحلامهم، يولد بعض الناس ليكونوا أكثر من أفراد... يولدون ليكونوا صرخة، فكرة، راية، ووطناً بحجم صوتهم.

في ليلة الرابع والعشرين من حزيران2021، خُنقت الكلمات في حناجرنا، وارتجفت القلوب ونحن نرى النور يُطفأ عمداً.

اغتالوه لأن صوته كان أعلى من مقاسات الطغاة، ولأن ضميره كان أكبر من حدود الزنازين.

نزار بنات لم يُقتل فقط تحت التعذيب، بل لأننا عجزنا عن حمايته، ولأن الصمت كان شريكاً في الجريمة.

هذا المقال ليس رثاءً، بل شهادة على زمن يُكافَأ فيه الخنوع ويُدان فيه الصدق، وأن نزار، وإن غاب الجسد، ما زال الحضور الأكثر صدقاً في هذا الليل الطويل.

في وطنٍ تُغتال فيه الكلمة، ويُلاحق فيه الأمل، لم يكن نزار شخصاً عادياً، بل كان الحدث نفسه. كان الصوت حين صمت الجميع، والموقف حين انحنى الآخرون.

نزار بنات، الذي قال الحقيقة كما هي، حمل روحه على كفه، وواجه الاستبداد بجبهة مكشوفة. لم يكن يطلب سوى وطنٍ يليق بالبشر، وطن لا يخنق أبناءه لأنهم يفكرون، ولا يعتقل حناجرهم لأنهم يصرخون بألم.

اغتالوه لأنهم لم يحتملوا مرآة تُعرّيهم.

لأن الجهل لا يتحمل الوعي، والقمع لا يحتمل الجرأة، والزيف لا يحتمل الصدق.

قال ذات يوم:

"أنا لا أبحث عن مواجهة، لكنني لا أهرب من قول الحقيقة."

وفي سخريةٍ موجعة من واقع الطب والعدالة، قال:

"لا تضعوا جثماني بين أطباء تشريح من هذا الموديل."

وفي تحدٍ نادر، عبّر عن تمسكه بأرضه رغم القهر:

"أنا وأولادي مش مفكرين نهاجر من هالبلد، راح نظل قاعدين هون إلكم."

كان نزار مقاوماً، لكن مقاومته لم تكن بالبندقية، بل بالفكرة.

كان واضحاً كالشمس، صريحاً، حاداً كالسيف، نقياً كالماء، موجعاً كالحقيقة.

منذ غيابه، وكل شيء فينا يشعر باليُتم.

كأن صوتنا انكسر، وكأن الحبر بات خجولاً من نفسه.

نبكيه في صمت، لأن الجريمة لم تُحاسب، ولأن قاتليه ما زالوا يتنفسون الغدر كل صباح.

نزار بنات لم يمت.

كل من يكتب، كل من يصرخ، كل من يحلم بوطن عادل… هو نزار بنات.

وكل من يخشى الكلمة، ويخنق الحناجر، ويرتجف أمام الصدق… هو قاتله.

رحم الله نزار بنات،

وجعل من كلماته نوراً يضيء طريق الأحرار، ومن دمه لعنة تطارد صمت المتخاذلين إلى الأبد.

نم قرير العين يا نزار...

فإن ماتت القلوب، سيتكلم التاريخ.

وإن صمت المتفرجون، ستصرخ الأرض باسمك.

وإن تواطأ الجبناء، فوجهك سيظل نوراً لا يُطفأ، وصوتك عهداً لا يُنسى.

ارقد يا شهيد الكلمة،

فصوتك ما زال بيننا... يُوجِع.

وأطفالك...

كبروا قبل أوانهم، ليس لأن الزمن أنصفهم، بل لأنهم استيقظوا ذات صباح على وطنٍ اغتال أباهم أمام صمت الصامتين.

[محمود كلّم] كاتب فلسطيني يكتُبُ في الشَّأنين السِّياسيِّ والوجدانيِّ، وَيُعنَى بقضايا الانتماء والهُويَّة الفلسطينيَّة. يرى في الكلمة امتداداً للصَّوت الحُرِّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النِّضال.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

ياسر علي

الصحافة الفلسطينية قبل النكبة.. معركة مفتوحة على الذاكرة والهوية

في عام 1948، شكّلت النكبة نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. فمع تدمير المدن وتهجير السكان، توقفت معظم الصحف عن الصدور… تتمة »


    ابراهيم العلي

    في ظلال يوم الأرض الفلسطينون : متجذرون ولانقبل التفريط

    ابراهيم العلي

     يعد انتزاع الاراضي من أصحابها الأصليين الفلسطينيين والإستيلاء عليها أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني الاحلالي ، فالأيدلوجية الصهي… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون