عسكرة الوعي في مسرح الحكواتي
وفاء داري
أكاديمية وباحثة فلسطينيةعندما يصبح المسرح ساحة معركة في محاولة الاحتلال لطمس الرواية الفلسطينية من منارة القدس، من خلال عسكرة الوعي في مسرح الحكواتي بالقدس أحد خنادق الرواية الفلسطينية أمام محاولات الطمس، فتتعدد أوجه الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، لكن أخطرها وأعمقها أثرًا يظل ذلك الذي يستهدف الوعي والذاكرة. أن الصراع على القدس لم يعد صراعًا على الأرض والبنيان فحسب، بل هو حرب شرسة على الرواية والهوية والموروث الثقافي، وهدفها النهائي هو طمس الجسر الذي يربط الجيل القادم بحكايته الوطنية.
هذا ما تجسد بوضوح في حادثة اقتحام قوات الاحتلال لمسرح الحكواتي بالقدس اليوم - الإثنين الموافق 24 نوفمبر. الحادثة لم تقتصر على منع فعالية نظّمها ملتقى الشباب التراثي المقدسي تحت شعار "أحلام تحت شجرة الزيتون"، وهي عبارة عن عرض موسيقي وفني جماعي يجمع بين الدبكة الشعبية والغناء التراثي بمشاركة نحو 70 طفلًا وشابًا وشابة لتقديم لوحات تنبض بروح المدينة. بل تجاوز ذلك إلى استدعاء القائمين على الفعالية للتحقيق وترويع الأطفال على خشبة المسرح. إن منع هذا العرض، المصحوب بترويع البراءة، ليس إجراءً أمنيًا عابرًا، بل هو إعلان صريح بأن المسرح بصفته خزان الذاكرة وورشة الأمل أصبح خط دفاع أول في معركة الوجود الثقافي.
الحرب على الذاكرة في قلب المدينة من المناهج إلى خشبة المسرح: ان اصدار قرار الحظر بأمر من وزير الأمن القومي الإسرائيلي بذريعة الادعاء بأن الفعالية أُقيمت برعاية السلطة الفلسطينية أو بتمويلها دون تصريح، هي الذريعة المعتادة لحظر أي نشاط فلسطيني ثقافي أو وطني في القدس. لكن الحقيقة أعمق: هل أصبح الاحتلال يهاب حتى من فن الأطفال في تمثيل واقعهم وترسيخ تمسكهم بأرضهم؟! ألا تكفي محاولات فرض مناهج تعليم على مدارس القدس تدس السم والتهويد والتطبيع في عصائر العولمة، لتشربها أجيالنا في محاولات سكرهم وغياب صحوة الضمير؟ وهل أصبح الفن المسرحي جريمة يُحاسب عليها الطفل المقدسي؟
يُدرك الاحتلال جيدًا أن الفن والتعليم، بكل أشكاله من مسرح وموسيقى وأدب ومناهج، هو الأداة الأكثر فعالية في ترسيخ الهوية غير القابلة للتقسيم أو التجزئة. فالمسرح تحديدًا هو الفضاء الحي الذي يحول التاريخ إلى تجربة معاشه، والذاكرة الفردية إلى رواية جمعية متماسكة. عندما يمنع الاحتلال عرضًا مسرحيًا ويروع فنانيه الصغار، فإنه يحاول إسكات صوت الحكواتي الفلسطيني الذي يحفظ ويسرد قصة الأرض واللجوء والمقاومة للناشئة، في محاولة لترك فراغ سردي يسهل ملؤه برواية أخرى. الهدف الأساسي من استهداف منارة ثقافية في قلب القدس هو تغريب الجيل القادم عن موروثه. إن استهداف فنون الأداء يمثل محاولة مباشرة لـتأميم الرواية عبر القوة العسكرية، لكن الإبداع والفن لا يعترفان بالحواجز أو الإغلاقات. فالجسد واحد مهما حاول الاحتلال تقطيع اوصاله.
مسؤولية الفن في مواجهة الطمس
إن الرد على هذا الانتهاك يحتاج إلى مضاعفة الإنتاج الفني والإبداعي. هنا تكمن مسؤولية المثقف والأديب والكاتب والمسرحي الفلسطيني في القدس من خلال المقاومة الثقافية في تحويل كل المنابر الأدبية والفنية ومنها خشبة المسرح أو جدارية أو قصيدة أو غيره إلى منبر ثابت لرواية الحقيقة وتحدي محاولات الإلغاء. أيضًا بناء الجسور وذلك باستخدام الفن كأداة لمد جسور التواصل مع العالم، لكشف زيف الادعاءات عن "صراع أمني" وتأكيد أنه صراع على الهوية والحق في الوجود الثقافي. إن معركة مسرح الحكواتي ليست معركة عرض فني ألغي، بل معركة على حق الفلسطيني في أن يروي قصته بنفسه. وما دام في القدس أطفال يرقصون للدبكة، ويغنون لشجرة الزيتون، ويكتبون حكايـتهم بعيونهم قبل الأقلام …فإن الرواية الفلسطينية ستظل أقوى من كل محاولات الطمس، وسيظل الفن هو الخندق الأجمل في حماية هوية القدس وذاكرتها. لن يُطمس الإبداع الفلسطيني ولن تُخرس أقلامنا. فالمعركة الدائرة حول مسرح الحكواتي هي معركة مصيرية، لأنها تدور حول من يمتلك حق كتابة التاريخ المستقبلي للقدس. وسيظل الفن الفلسطيني، بكل ما فيه من أصالة وعمق، هو الحِصن المنيع الذي يحفظ للجيل القادم هويته وروايته.




أضف تعليق
قواعد المشاركة