علي عبدالله علي، أَبو عاطف: رجلٌ من ذهبٍ تاهت به الأَزمنةُ

منذ سنة   شارك:

محمود كلّم

كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.

في زحمةِ الأيامِ وصخبِ الحياةِ، كان علي عبدالله علي، المعروف بأبي عاطف، شعلةً لا تنطفئ، رجلاً استمدَّ قوَّته من شموخِ الجبالِ وشجاعته من زئيرِ الأسود. وُلِدَ عام 1947 في شفا عمرو - قضاء حيفا، وكان صورةً حيَّةً للنبلِ والمروءَةِ، يجمع بين التواضعِ الذي يطأطئ الهاماتِ والشهامةِ التي ترفعُ القامات.

ينحدرُ أبو عاطف من عشيرة عرب السَّمنيَّة، من بَطنِ المناصرة، تلك العشيرةُ التي طالما تميَّزت بشجاعتِهَا وأَصالتِهَا.

ذاتَ يومٍ من أيامِ ريفِ دمشق في عامِ 2013، خرج أبو عاطف ليحصل على راتبه التقاعدي، وكأنما خرج ليعانق السراب، فلم يعد من حينها، وكأن الأرض قد انشقَّت وابتلعته، تاركاً خلفه لغزاً لا يزال يتردَّد صداه في القلوبِ والعقول.

كان أبو عاطف كالنسيمِ العليلِ، يدخل القلوبَ دون استئذان.

شجاعته كنورِ الشمس، لا تحجبُه غيومُ المواقف.

أما نخوته، فكانت كالماءِ الذي يروي عطشَ الملهوفين، وأصالته كالذهبِ الذي لا يصدأُ مهما مرَّت عليه السنون.

صدقه وأمانته كانا كوجهِ القمر، يضيئان ظلماتِ القلوب، ووفاؤه كنبعٍ لا ينضبُ مهما اشتدَّت حرارةُ المواقف.

كان كريماً كالنهرِ، يعبره الجميعَ من دون أن ينفد عطاؤه، وعادلاً كميزانٍ لا يختلُّ تحت ضغطِ الأهواء.

رغمَ هيبته، كان أبو عاطف متواضعاً كالشجر، ينحني للريح ولكنه لا ينكسر. يحترم الكبيرَ ويوقِّرُ الصغيرَ، فيخلق حوله هالةً من الاحترامِ والتقدير.

كان نبضَ الشهامةِ في زمنِ الأنانية، وصوتَ العدالةِ في وادي الظلم. خرج ليُسعد من حوله، ولكنه غاب كغيابِ البدرِ في ليلةٍ مظلمة.

اسمُه عليٌّ، وعلا به ذكرُ النخوة؛ وكنيتُه أبو عاطف، فكان عاطفةً تمشي على قدمين.

غاب أبو عاطف، لكنَّ ذكراه لم تغب، ترك فراغاً، لكنه ملأ القلوبَ بحضوره. كانت حياتُه تجمعُ بين القوةِ والرحمةِ، وبين العدلِ والحكمة، وبين التواضعِ والعزَّة.

وهكذا، يظلُّ غيابُ أبي عاطف لغزاً ينهشُ القلوبَ كلما تذكَّرناه، وجُرحاً ينزفُ ألماً كلما همسَتِ الرياحُ باسمه.

رجلٌ بحجمه لا يختفي، بل يبقى طيفاً يرافقنا في أحلامنا، وصدىً يملأ فراغَ أيامنا.

أبو عاطف، رحلتَ عن الأعينِ، ولكنَّك بقيتَ في القلوب. نبحثُ عنك في وجوهِ العابرين، وفي كلِّ زقاقٍ شهد خطواتِك. رحيلُكَ علَّمنا أنَّ الأبطالَ قد يغيبون عن مسرحِ الحياة، ولكنَّ ذكراهم لا تُمحى، وأثرهم لا يزول.

رحمك الله يا مَن كنتَ نوراً لعائلتكَ وعشيرتِكَ، وستبقى ذكراكَ ألمَنا الجميلَ الذي لا يزول.


مقالات متعلّقة


أضف تعليق

قواعد المشاركة

 

تغريدة عارف حجاوي

twitter.com/aref_hijjawi/status/1144230309812215814 




تغريدة عبدالله الشايجي

twitter.com/docshayji/status/1140378429461807104




تغريدة آنيا الأفندي

twitter.com/Ania27El/status/1139814974052806657 




تغريدة إحسان الفقيه

twitter.com/EHSANFAKEEH/status/1116064323368046593




تغريدة ياسر الزعاترة

twitter.com/YZaatreh/status/1110080114400751616 




تغريدة إليسا

twitter.com/elissakh/status/1110110869982203905 





 

محمود كلّم

يوسف مجذوب «أبو جمال» وليلى شهيد: الذاكرة المسروقة

لم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا 1982 حدثاً عابراً في حياة من عاشها؛ كانت جرحاً مفتوحاً يسكن الذاكرة كما تسكن الرصاصة الجسد. بعض الجروح ت… تتمة »


    توفيق سعيد حجير

    حين يُقصى اللاجئ الفلسطيني السوري عن فريضة الحج

    توفيق سعيد حجير

    للسنة التاسعة على التوالي يجد اللاجئون الفلسطينيون السوريون أنفسهم خارج مواسم الحج، محرومين من أداء فريضة دينية تُعد ركناً أساسياً… تتمة »


    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية..
صامدون - عاملون - عائدون
    تتقدم مؤسسة العودة الفلسطينية من عمال فلسطين بأطيب الأمنيات وأجلّ التحيات لما يقدمونه من جهد وعمل وتضحية.. صامدون - عاملون - عائدون