قصة أغلى أسير فلسطيني في اجتياح عام 1982

تاريخ الإضافة الإثنين 8 أيار 2017 - 9:21 ص    عدد الزيارات 5520    التعليقات 0

      
ياسر علي

ياسر علي

إعلامي وشاعر فلسطيني

أغلى أسير فلسطيني، لم تفاوض عليه الفصائل الفلسطينية، بل فاوضت عليه امرأة.. هذا الأسير الذي توفي مؤخراً، والذي كان وجيهاً في عائلته، فكان الحزن عليه كبيراً رغم إصابته بالجلطات الدماغية المتتالية، التي تسببت له بالشلل طوال 19 عاماً قبل وفاته. هذا الأسير الذي لم يخبر أحداً بقصصه وتاريخه، كان متواضعاً لا تسمع منه شيئاً، بل عنه، مما يروي أصدقاؤه.

كانت له قصة طويلة.. طويلة في وصف المشاعر والتفاصيل، لكن مدّتها لا تتجاوز شهراً واحداً فقط. وقد حدثت بين شهريْ حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) من العام 1982، وذلك في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان. كنت قد التقيت هذه المرأة سابقاً وحاولتُ استنطاقها فلم تتكلم.. فهي لا تتحدث بالموضوع تحت الضغط، رغم أنها حدّثتني بالتفاصيل في جلسات غير رسمية، قلت لها سأنشر هذا الكلام. قالت: سأنكر أني قلتهُ لك!!

القصة تستحق أن تُسجّل في رواية. هذه المرأة التي صمدت قرب محاور القتال على تخوم مخيم البرج الشمالي الذي يبعد عن حدود فلسطين 25 كلم فقط في جنوب لبنان. صمدت خلف (أبطال الآر بي جي) الذين دمّروا على باب المخيم عدداً من الدبابات فقتلوا جنرالاً وأسروا ضابطاً وجندياً أحدهما سليم الجسم يحمل اسماً عربياً والآخر محروق بشكل كبير. فجاء المقاتلون بالأسيرين إلى ملجأ تحت بيتها.

لم تخف منهما، ولم تنتقم، بل قامت بتقديم الطعام والشراب والدواء لهم، وكانت تغيّر للمحروق الضمادات على جروحه وحروقه، وتسقيه الماء بخرقة قماش تضعها مبللة على شفتيه (هل تذكرتم فيلم "المريض الإنجليزي"؟).. حافظت بكل ما تستطيع على حياة الأسيرين. منعت بعض المقاتلين الغاضبين من اقتحام مقر اعتقالهم تحت بيتها. كان ذلك بالاتفاق مع "بلال الأوسط" قائد القطاع الأوسط في القوات المشتركة قبل الاجتياح عام 1982، والذي سيُستشهد بعد هذه الحادثة بأربعة أشهر داخل المناطق المحتلة.

عند انسحاب المقاتلين، قُتل الضابط الأسير، فقاموا بدفنه في أرض عند مدخل المخيم، وأُلقيت على مكان دفنه النفايات والثياب القديمة وتم إحراق كل ما ألقي عليه، بحيث اختفت آثار وملامح المكان السابقة. أما الأسير المحروق، فأخذه المقاتلون معهم أثناء انسحابهم من المخيم عبر الجبال المحيطة بهم، وكانت المجموعة بقيادة ابن عم هذه المرأة المذكورة وقطعوا في الجبال نحو 30 كلم، حتى وصلوا إلى منطقة تدعى الغازية، وهناك فارق الجندي المحروق الحياة، فاضطرت المجموعة إلى إلقائه في بئر قريبة من المكان، وتابعوا سيرهم باتجاه صيدا التي لم يكن المعتدون قد احتلوها بعد.

ودخل جنود الاحتلال إلى المخيم يبحثون عن الأسرى، فلم يجدوا أحداً منهم في المخيم، ولم تتمكن كلابهم البوليسية من معرفة مكانهم. لكن مخابراتهم دلّتهم على هذه المرأة الفلسطينية، ومعهم إخبارية أنها آوت الأسرى في بيتها، لكنها أصرّت على ردّ واحد: أخذهما المقاتلون معهم. في النهاية تمكّن العدو من إلقاء القبض على المجموعة المنسحبة ومعهم قائد المجموعة (ابن عمها)، ووجدوا مكان الأسير المحروق في البئر، وتأكدوا أن الضابط الأسير مقتول وما زالت جثته في المخيم.

قالت: جاؤوا هذه المرة متأكدين من أنه مدفون في مكان ما في المخيم وقالوا لنا، نحن نساء الحارة: ابن عمكنّ موجود لدينا في سجن "عتليت"، ولا أحد غيركنّ يعرف مكان الضابط المفقود. دلّونا على مكان الجثة، نعيد لكم أسيركم. وإذا لم نجد الجثة فلن تجدوا ابن عمكم عندنا.. في تهديد مبطّن بالقتل.

صمدت النساء، وتشاورن فيما بينهن، منهنّ من تصرفت بعناد، ومنهن من تصرفت بحكمة.. وفي النهاية جرى تبادل للأسرى بين سيدات الحارة وجيش الاحتلال، وتمّ الكشف عن جثة الضابط، فجاء الجنود يحفرون في المزبلة (هل قلنا مزبلة التاريخ؟!) حتى عثروا على الجثة. وفي مساء ذلك اليوم تم إحضار الأسير الفلسطيني وتسليمه لهم. وكانت تلك أقلّ عملية تبادل، بالأحرى كان ابن عمّ النساء أغلى أسير فلسطيني في تاريخ صفقات تبادل الأسرى مع العدو.
 

المصدر: الجزيرة 

مقالات متعلّقة

تغريدة غادة عويس

https://twitter.com/ghadaoueiss/status/1062100350017171457 




تغريدة joe

https://twitter.com/youssef_hussen/status/1061775236755013632 




تغريدة ماجد عبدالهادي

https://twitter.com/majedabdulhadi/status/1061898930106089472 




تغريدة عبد الباري عطوان

twitter.com/abdelbariatwan/status/1061921381745598470




تغريدة عزمي بشارة

twitter.com/AzmiBishara/status/1061860400369561600




تغريدة راشد الرميحي

twitter.com/rhalrumaihi/status/1057693712304795648 




 

إنهاء وعد بلفور.. بين القوة والاعتذار!

ياسر علي

حين درست الحكومة البريطانية وعد بلفور، عدّلت فيه ليخرج أقلّ سوءاً من الصيغة الأصلية، فقد كان أسوأ بكثير. وكان حاييم وايزمن ينتظر ا… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development