"شارلي الفلسطيني" يستنطق الكوميديا ليوصل رسائل "العودة" السلمية

تاريخ الإضافة الخميس 19 نيسان 2018 - 10:11 ص    التعليقات 0

      

ارتدى ذلك القميص المزين بصورة الشخصية الكرتونية "سيمبسون"، واندسّ بين الثائرين على حدود قطاع غزة مع فلسطين المحتلة عام 1948، تظاهر وأشعل الإطارات وتقدم الصفوف حتى واجه جنود الاحتلال بصدر عارٍ ولثام وأمر آخر.. "شديدة".

"وحدة الكوتشوك"

ترصّد جنود الاحتلال الإسرائيلي المختبئون خلف ساتر ترابي لا يظهر من أجسادهم سوى رؤوسهم المغطاة بخوذة عسكرية، وبنادق حديثة مصوبة نحو الشباب الفلسطيني الثائر الذي جاء مطالبًا باستعادة أرضه المحتلة، ليكيل له جنود الاحتلال وابلا من الرصاص الحي والمعدني فيوقع عشرات الشهداء والجرحى، ولا يزالون منهمكين بتصيُّد الثائرين العُزل، حتى راودته الفكرة!.

في يده "شديدة"، أي مقلاع صغير، وفي جيبه قطعة من لُعبة "الكُلة"، وهي كرة زجاجية صغيرة يدحرجها الأطفال على الأرض أثناء اللعب، فوضعها بدلاً من الحجر في الشديدة وصوبها نحو القناص الإسرائيلي.. لينتفض الأخير من مكانه مستاء من الرمال التي باغتت عينيه بفعل ملامسة "الكُلة" للكثبان الرملية التي كان يختبئ خلفها، فينشغل بنفسه عن قنص الشباب الفلسطيني.

تلك الحادثة لم تبقَ حبيسة صدر "حسام خلف"، ذاك الشاب الذي اشتهر بقميصه المزين بصورة "بارت سيمبسون"، والذي ظهر تارة ملثما وتارة أخرى بوجهه، ليُعلن عنها بطريقته الكوميدية عبر مقطع مصور نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

خلف، الشهير بين رفاقه بلقب "المخ"، لم يأبه بكشف شخصيته لجيش الاحتلال الذي يشاهده في الصفوف المتقدمة من مسيرات العودة السلمية، ليصبح حكاية من حكايات المسيرة وأيقونة "كوميدية" من أيقونات الثورة الفلسطينية السلمية ضد الاحتلال.

يتمتع "خلف" ذو التسعة والعشرين عامًا، بموهبة كوميدية استطاعت بفطنة واضحة أن توصل رسائل مسيرة العودة والتأكيد على سلميتها، مما استنطق المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي "أفخاي أدرعي" مرات عدة.

سخّر "خلف" مواهبه الفنية في الغناء والتلحين والتقليد لإذكاء جذوة الثورة الفلسطينية، وانتشرت مقاطع الفيديو التي سجلها سواء باسمه أو باسم "المتحدث الرسمي وقائد وحدات التعامل المباشر -لواء التمويه- وحدة الكوشوك رفح" على مقاطع التواصل الاجتماعي ولاقت استحسانا من الشباب الثائرين، والذين يعدّهم وقود الثورة، ويعدّ نفسه "صوتهم النابض".

تفاح F16

قد لا يتسع هذا المقام لذكر مآثر هذا الشاب وما قام به في سبيل إذكاء روح الثورة في نفوس الشباب الفلسطيني، وتوصيل رسالته للعالم، وإن كان لا بد من أن نُعرّج على بعض تلك المآثر التي تقدم للمجتمع العربي والدولي الحقيقة المجردة ولكن بطابع ساخر.

قال خلف لـ"فلسطين: "تحدث أدرعي عن إشعال الكوشوك ومضاره، وقال إننا إرهابيون لا نحب الحياة وأشياء أخرى.. وحديثي في مقاطع الفيديو جاء لإجلاء الحقيقة، فطائرات F16 لم ترمنا بالتفاح ولم تزرع في الأرض "مَنجَرينا"، بل رمتنا بالصواريخ ودمرت منازلنا وقتلت أحباءنا".

وأضاف: "نحن نعشق الحياة ونعشق الموت إن كان فداءً للوطن الذي لم نعد نشعر به بسبب الحصار المفروض علينا منذ سنوات.. علينا أن نستمر في هذه المسيرات ليس فقط لمدة 45 يوماً بل لـ45 سنة؛ بل حتى استعادة أراضينا".

ولعل من أكثر التصريحات التي أزعجت الاحتلال الإسرائيلي تلك الجملة الأخيرة التي قالها "خلف" من قلب ميدان المسيرة على الهواء: "لا يوجد شيء اسمه (وطن مشترك) هذه أرضنا وحدنا، وقد أخطأتم بإطلاق النار على شبابنا الأعزل.. كلما أصيب شاب تقدم 100 شاب نحو الحدود".

عنها قال خلف: "نحن مع المحافظة على الشباب الفلسطيني من الإصابة، وفي الميدان نبذل قصارى جهدنا في توعيتهم وردهم في حال كان الخطر محدقًا بهم.. لا نريد لأحد أن يُصاب فيكمل حياته بإعاقة أو يجلس في المنزل لا يستطيع القدوم في اليوم التالي، ثورتنا سلمية وسنحافظ عليها هكذا".

غلاف الكرة الأرضية

ولم يكتفِ "خلف" بمخاطبة الشباب الفلسطيني الثائر، بل سعى إلى تقديم رسائل بلغات منها العبرية والإنجليزية وقريبا ستكون له رسالة باللغة الفرنسية، حتى يعلم القاصي والداني حقيقة القضية الفلسطينية وما يجري على أرض مسيرات العودة السلمية التي يقابلها الاحتلال بالدم، على حد قوله.

وأكد "خلف" في كل جملة تحدث بها إلينا على سلمية مسيرة العودة، موضحاً أن جمعة إحراق الكوشوك جاءت للرد على قتل الشهيد عبد الفتاح عبد النبي الذي استهدفه قناص إسرائيلي وهو أعزل لا يحمل بيديه سوى "كوشوك" لن يشكل خطراً على جنود الاحتلال بأي حال.

وفي إحدى رسائله الكوميدية قبيل جمعة "الكوشوك"، قال خلف: "هذه رسالة للكرة الأرضية كلها إذا لم يتم فتح الحدود وعودتنا إلى أراضينا المحتلة فليعلم الجميع أننا سوف نُخرب غلاف الكرة الأرضية..".

عن هذه الرسالة، أوضح: "يزعم الاحتلال أننا أسأنا للبيئة، وأن إشعال الكوشوك يسبب السرطان، متناسيا أو متجاهلاً ما كان يلقيه علينا في الحروب السابقة والذي بلغ حد إلقاء الفسفور الأبيض، نحن فقط سعينا لإيجاد سترٍ واقٍ لمنع القناصة من استهداف شبابنا".

قطع غيار

"خلف" الكوميدي الثائر الفلسطيني ألّف أغاني شعبية وثورية، ولحنها، وقدمها عبر تسجيلات فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، أجاد التعبير فأبدع، وتبنى المسيرة، فكان رغم صغر سنه بمثابة "الأب الروحي" للشبان على الحدود الذين لا ينفكون عن السؤال: "وين المخ؟".

موقعه المتقدم، وعنفوانه على الأرض، ونجمه الكوميدي المحبوب، ولسانه الطليق في الحديث، كل ذلك جعله "المتحدث باسم وحدة الكوشوك"، وهو لقب أطلقه عليه الشبان وفعّلته مواقع التواصل، حتى غدا عنواناً للثائرين في رفح.

بيانه الأول تحت هذا المسمى جاء فيه: "استطعنا تنفيذ المهمة بنجاح حيث أوصلنا رسالتنا بكل سلمية من خلال إحراق الكوشوك.. وفي إطار عودتنا لأرضنا تمكنا من فتح الحدود وقص الشبك وسحبه.. وفي المقابل استخدم الاحتلال الإسرائيلي ضدنا أنواعًا جديدة من الرصاص باستطاعتها أن تصيب خمسة شبان بطلق واحد!".

ودعا "خلف" الضفة الغربية إلى الانتفاض في وجه المحتل ومتابعة المسيرة التي بدأها قطاع غزة، انطلاقاً من وحدة الهدف والهم والقضية، مستعيناً بالمقولة الشعبية التي تقول: "الغزازوة قطع غيار للخلايلة".

بلياتشو

ومن مواهبه التي اغتنمها لخدمة مسيرات العودة، أن ارتدى زي المهرج "البلياتشو"، وخرج في المسيرات ليوزع الحلوى على الشباب الثائرين، وكعادته تقدم الصفوف الأولى ليكون توزيع الحلوى على شرف العودة وأمام أعين جنود الاحتلال.

عن رسالته التي حاول أن يوصلها من خلال هذا الزي، قال "خلف": "السلام ولا شيء سواه، نحن لا نطالب إلا بحقنا في أرضنا ونطلب هذا الحق بسلمية كاملة، لم نرفع سلاحًا، ولم نستخدم سوى وسائل شعبية شرعية لمواجهة المحتل".

التقليد هو سِراج شخصية خلف التي أجادت تقليد الصحفي الفلسطيني المعروف ناصر اللحام والذي يظهر في البرامج التلفزيونية ليترجم ما تورده الصحافة العبرية، وهو ما أتقنه خلف بالشكل ونبرة الصوت، لكن الترجمة كانت فلسطينية كوميدية مبتكرة.

ومثال على تلك الترجمة، يقول خلف مقلداً اللحام:" المنسق يقول يجب على الفلسطينيين ألا يحرقوا الكوشوك لأنه يسبب السرطان.. يا حرام، وكما يبث على القناة العاشرة أن الاحتلال لما يرمي علينا صاروخ اف 16 بيرمي علينا فيتامينB وأن الغاز المسيل للدموع هو غاز لتبييض البشرة وليس مضرا بالصحة".

عكاز العودة

"عكاز العودة" هو اسم مبادرة كشف عنها "خلف"، يجري التحضير لها يوم الجمعة المقبل، وهي الجمعة الرابعة من مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار، والتي أعلنت القوى الوطنية المنظمة للمسيرات عن تخصيصها للشهداء والجرحى الفلسطينيين.

وعلى ما يبدو فإن نشاط "المخ" سوف يتخذ مساراً أقرب للوضع الداخلي الفلسطيني، إذ قال: "نحضّر لأغنية حول قطع رواتب الموظفين في غزة، سوف نقدمها بطريقة كوميدية ساخرة معتمدين في ذلك على تصويرها أثناء أحداث يوم الجمعة المقبل".

ووعد متابعيه بأن ينقل لهم بـ"صوت ناصر اللحام" ما يجري على الحدود، والذي هو نتاج ضغوط جمة يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة المحاصر والذين يتوقون للعودة إلى أراضيهم والعيش بكرامة، مطالبا "العالم الإنساني" بالوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية.

وبالعامية الفلسطينية، قال: "بدناش شوكولاتة وأندومي، بدنا نعيش مثل البشر، وأن يتعامل معنا العالم بإنسانية، وأن يرفع حصاره عنا، ويؤمن بحقنا في تحرير أرضنا واستعادتها"، مضيفا: "حق الفلسطينيين في الحياة يتمثل في فتح المعابر وخلق فرص عمل للشباب، وتأمين العلاج، ورفع مستوى التعليم، وتوصيل الكهرباء، وغيرها من الحقوق المدنية والإنسانية التي سلبها الحصار من الغزيين.

وتابع: "أنا شاب حلمي أن أسافر.. لم أرَ في حياتي قطارًا، ولا جزيرة، ولم أركب طائرة، أريد أن أعيش كإنسان انتمائي الوحيد للحياة الكريمة"، مشيراً إلى أنه بصدد إنتاج عدد من الأغنيات الكوميدية التي تعبر عن الواقع الفلسطيني، بالإضافة إلى إصدار سلسلة قصصية تتناول أحداث مسيرات العودة التي عجزت كاميرات الإعلام عن رصدها.

على أبواب الأقصى

"خلف" شاب فلسطيني درس "إذاعة وتلفزيون" في جامعة الأقصى وعمل في مجال الدعاية والإعلان، حمل هم الشباب الفلسطيني العاطل عن العمل، وهم مسيرات العودة الكبرى، ودفع باتجاه إذكائها بكل الطرق الممكنة.

وهو أب لطفلين يغادرهما إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة، ليتصدر المشهد الحيّ، والواقع المؤلم، والصوت الإعلامي المعبر عن روح المسيرات وسلميتها، لا يعلم إن كان سيعود لطفليه أم سيروي أرض فلسطين بدمائه.

هو نموذج للشباب الثائر الذي فُطر على حب الوطن، والشجاعة في مواجهة المحتل الذي "حذّره" بصفة شخصية بأنه مستهدف، مما جعله يظهر بهيئات مختلفة جميعها تعبر عن سلمية المسيرات والثائرين المشاركين فيها، على حدّ قوله.

وحلمه أن يشوي "جناحين" دجاج على أبواب المسجد الأقصى، تلك "القفشة الثورية" التي أضحكت الشباب الثائر حوله وجعلته يصدح مكبراً، ومؤكداً بأن الحق الفلسطيني كالشمس التي لا بد أن تهزم عتمة المُحتل وتبدد ظلمته.

موهبته الكوميدية التي اغتنمها لخدمة مسيرات العودة، جعلت منه نموذجاً "مُستحدثًا" من نجم الكوميديا العالمي "تشارلز تشابلن" الشهير بـ"شارلي" ملك الأفلام الصامتة والمضحكة، لكن "شارلي الفلسطيني" استطاع أن يُنطق الكوميديا ليوصل رسائل الثورة الفلسطينية المتجسدة في مسيرات العودة السلمية.

 

المصدر: فلسطين أون لاين

أخبار متعلّقة

تغريدة غادة عويس

https://twitter.com/ghadaoueiss/status/1062100350017171457 




تغريدة joe

https://twitter.com/youssef_hussen/status/1061775236755013632 




تغريدة ماجد عبدالهادي

https://twitter.com/majedabdulhadi/status/1061898930106089472 




تغريدة عبد الباري عطوان

twitter.com/abdelbariatwan/status/1061921381745598470




تغريدة عزمي بشارة

twitter.com/AzmiBishara/status/1061860400369561600




تغريدة راشد الرميحي

twitter.com/rhalrumaihi/status/1057693712304795648 




 

إنهاء وعد بلفور.. بين القوة والاعتذار!

ياسر علي

حين درست الحكومة البريطانية وعد بلفور، عدّلت فيه ليخرج أقلّ سوءاً من الصيغة الأصلية، فقد كان أسوأ بكثير. وكان حاييم وايزمن ينتظر ا… تتمة »

مستشفى الهمشري.. على خطى التطوّر المستمر لخدمة الفلسطينيين في لبنان

في الجهة الشرقية لمدينة صيدا اللبنانية يقع مستشفى الهمشري مجاوراً لمخيمي عين الحلوة والمية ومية للاجئين الفلسطينيين..
يستقبل … تتمة »


#توجيهي_فلسطينكاريكاتير أمية جحا



Designed and Developed by

Xenotic Web Development